التنمية هي غاية المجتمعات. وعندما أطلقت الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة، خاطبت بها جميع المجتمعات، واكتشفنا أن الدول المتقدمة تتعثر أقدامها هي الأخرى على درب التنمية، وإن كانت التحديات التي تواجهها ليست بالطبع على نفس مستوى التحديات التي تواجه الدول النامية، وبالأخص الفقر والديون وتأثير التغيرات المٌناخية. ولكني أظن أن المعضلة الأكبر التي تواجه أي دولة تبحث عن التنمية هي ركود العقل، الذي يحول دون التماسها أسباب التقدم. ولهذه الإشكالية جذور بعيدة. عندما استقلت الكثير من المستعمرات السابقة واجهت تحدي الاستفادة من مواردها، التي كان ينهبها الاستعمار، لكنها تعثرت وساءت أحوالها، ويعود السبب وراء ذلك إلى تراجع معدلات التنمية البشرية، التعليم والتدريب والصحة. وظهرت مع مرور الوقت عوامل أخرى مثل ضعف السياسات العامة، وكثرة النزاعات الداخلية، وغياب الديمقراطية.
وقد لجأت الدول الاستعمارية السابقة في خطابها مع الدول النامية إلى نظرية التحديث، التي تُذكرهم بأن أصل داء التخلف يقبع داخلها، وليس خارجها، ويتمثل في الثقافة التقليدية التي تعاند التنمية، وبالتالي إذا أرادت تلك الدول أن تحقق التقدم عليها أن تتبني النسق الثقافي الغربي. وقد واجهت الأصوات المثقفة في العالم الثالث هذا النهج الفكري الاستعماري، وتبنت نظريات أخرى لتفسير غياب التنمية مثل نظرية التبعية، التي أرجعت علة الداء إلى النظام الاقتصادي العالمي الذي يقوم على الاستغلال، وطالبت بتغيير هذا النظام، ولكن ذلك لم يحدث. ونتذكر أنه عندما عُقد مؤتمر الأمم المتحدة في ستوكهولم 1972، الذي قدم أهم مداولات تنموية بعد الحرب العالمية الثانية، وربط بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئة، تبنته دول الشرق والغرب في سابقة مهمة، وتحفظت عليه بريطانيا وفرنسا، خشية أن يفتح الباب أمام مطالبة الدول النامية بتعويضات.
ورغم أن مقولات التحديث الغربي في التنمية محل نقد، لاستعلائها وعدم تقدير أهمية الثقافات المحلية، ورغبتها في فرض تصوراتها على الشعوب الأخرى، إلا أنها تكشف عن قضية أساسية وهي ارتباط التنمية بالثقافة، وما الثقافة إلا استنارة العقل، أو تغيير الذهنية للأفضل، حيث يصعب أن تتحقق التنمية دون تطوير وتنوير العقول، ليس كما يُروج الغرب بتبني النسق الفكري السائد في مجتمعاتهم، ولكن عن طريق تطوير الإبداع المحلي في المجتمعات، والاهتمام بالثقافة والعلم والفن، بحيث تتحول إلى أسلوب حياة الناس العاديين. وتكشف تأملات الحياة عن أسئلة عديدة في هذا الخصوص.
هل نقيم بناءً عصريًا، ويقال داخله أفكار رجعية أو متطرفة مثلا؟ هل نشيد طرقًا حديثة، تلتزم بالمقاييس العلمية، وتُنفق عليها المليارات من أجل تنظيم أفضل للمجتمع، بينما تكثر الحوادث عليها لأن بعض الناس تنقصهم الرشادة،ويقودون سياراتهم بطريقة خطرة، ولا يعبأون بالقانون؟ هل تتأسس الجامعات على أحدث طرز، بينما لا يجد الطالب فيها تعليمًا مناسبًا يؤهله للمنافسة في سوق العمل؟ هل نؤسس مدنا جديدة، ومنازل حديثة، بينما يسود بعض سكانها ثقافة مغلقة، بسببها تنتهك حقوق المرأة، ولا يجد الطفل تكوينًا إنسانيًا، بل تربية على الإحساس بالتفوق، والعنف، والتنمر على الآخر؟ هل يزيد عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تزيد الشائعات، وخطابات الكراهية؟
في هذه القضية، ليست الإشكالية فقط في العمل الحكومي، لأن القطاع الخاص، والنشاط الأهلي، والنخب الثقافية والأكاديمية والدينية يتحملون قدرا واسعا من المسئولية عن تطوير ثقافة المجتمع، ليس هذا فحسب، بل في أوقات كثيرة نجد ممارسات مجتمعية سلبية تصدر عن هذه الأطراف،وحتى في الحالات التي كانت الحكومة سباقة على المجتمع في اتخاذ مبادرات اجتماعية وإنسانية، تواجه معارضة وممانعة مجتمعية. من الأمثلة على ذلك مواجهة ختان الإناث، ومنع زواج القاصرات، وحظر عمالة الأطفال، وغيرها حيث تواجه القوانين تحايلا من جانب جمهور يرفض التقدم، ويعادي حداثة الحياة. بالطبع لا أحد ينكر محورية السياسات الحكومية في تنوير العقول، لأن غالبية المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية ذات صبغة حكومية، وكذلك الجانب الأكبر من منتجي الخطابات الدينية، ولكن علينا أن نؤكد أن تحديث المجتمعات المتقدمة لم يتم فقط عبر بوابة الحكومات، ولكن أيضا من خلال القطاعين الخاص والأهلي، اللذين يلعبان دورًا مهما في تغيير ثقافة الشعوب من خلال التعليم، والعمل الاجتماعي، والفن والثقافة العامة، ومما يلفت الانتباه أن بعض الذين يمارسون باستمرار خطاب هجاء «الحكومة»، وتحميلها المسئولية وحدها عن تعثر جهود التنوير، هم أنفسهم درسوا بالخارج، وتعلموا في جامعات عريقة أسستها الرأسمالية الغربية، واستطاعت من خلالها أن تقدم تعليمًا متطورًا، أنهض مجتمعاتها في أحلك الظروف، والتحديات التي مرت بها.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزى رابط دائم: