بكثير من الدهشة المشوبة بما هو أكثر من الرهبة والإعجاب، تابع العالم مجموعة من الفعاليات السياسية والاستراتيجية، التى استهلتها الصين بقمة رؤساء بلدان «منظمة شنجهاى للتعاون»، التى عقدت فى تيانجين فى الشمال الصيني، وكانت بمثابة رسالة سياسية إلى واشنطن والعالم، سرعان ما ألحقتها «بقمة شنجهاي+»، قبيل تحولها مع كل ضيوفها من المشاركين فى القمتين إلى العاصمة بكين لحضور العرض العسكرى «الأسطورى المبهر»، الذى دفع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى أن ينتفض ليسجل مخاوفه من «مؤامرة ثلاثية تحاك ضد بلاده فى بكين»، على حد ما قال تعليقا على صورة تجمع زعماء الصين وروسيا وكوريا الشمالية، خلال العرض العسكرى فى تيان آن مين «ساحة السماء»، أكبر ميادين العالم.
وها هى روسيا التى تتعرض لأقسى عقوبات جماعية فى تاريخ العلاقات الدولية، من جانب الولايات المتحدة وحلفائها «الغربيين»، تقف فى صدارة المشهد السياسى والتاريخى مع الصين وبلدان ما يسمى بـ»الجنوب العالمي»، لتعلن فشل مخطط العزلة الذى لطالما حاولت واشنطن وحلفاؤها فرضه عليها منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية فى عام 2014.
وقد سارع الكرملين إلى دحض مخاوف الرئيس الأمريكى بما قاله يورى أوشاكوف مساعد بوتين للشئون الخارجية من موقعه فى العاصمة الصينية حول إنه «ليس لدى قادة روسيا والصين وكوريا الشمالية أى نية أو فكرة عن نسج أى مؤامرة خلال مشاركتهم فى الاحتفالات الرسمية فى الصين». وأعرب عن أمل الكرملين فى أن تكون «تغريدة» ترامب قد صدرت «من باب الدعابة».
وأكد أوشاكوف أن «الجميع يدرك الدور المركزى الذى تلعبه الولايات المتحدة، ودونالد ترامب تحديدا فى المشهد الدولى الراهن»، مشيرا إلى أن مثل هذه التصريحات لا تؤثر على طبيعة العلاقات الدولية.
وقد جاءت كل هذه الفعاليات على الأراضى الصينية لتعكس وحدة السياسات والتوجهات تجاه تعزيز التعاون، وإحياء دور الشرق وصعود تحالفاته المتمثلة فيما يقدمه من تنظيمات على غرار «بريكس»، و«شنجهاى للتعاون».
وأشار الرئيس بوتين فى كلمته التى ألقاها خلال الاجتماع الذى عُقِد بصيغة «منظمة شنجهاى للتعاون +» فى تيانجين بالصين إلى أنه «على الرغم من استمرار الصعوبات فى الاقتصاد العالمي، فإن إجمالى الناتج المحلى لدول منظمة شنجهاى للتعاون، زاد بمعدل متوسط تجاوز 5% فى 2024، وهذا أعلى من متوسط المعدلات العالمية. كما ارتفع الإنتاج الصناعى بنسبة 4.6%». وأضاف أن: «التعاون التجارى والاقتصادى والاستثمارى والمالى يتحرك بشكل نشط ضمن إطار المنظمة، كما أكد أن المنظمة تكتسب زخما متصاعدا على الساحة الدولية. وتوقف عند الدور الريادى الذى يمكن أن تلعبه المنظمة فى تشكيل نظام حوكمة عالمى أكثر عدالة، معربا عن دعم روسيا الكامل للمبادرات التى طرحها الرئيس الصينى شى جين بينج فى هذا المجال.
وفى خطابه الذى ألقاه قبيل بدء العرض العسكرى فى بكين، حرص الزعيم الصينى على تأكيد دور الصين كقوة عظمى ساهمت فى إنقاذ البشرية، مما يعزز الشرعية التاريخية للصين، ويواجه المحاولات الغربية لطمس هذا الدور. كما أشار أيضا إلى ضرورة تعزيز السلام، من خلال التعامل بين الدول على أساس التعاون والاحترام المتبادل، مما يعزز رؤية الصين لنظام عالمى متعدد الأقطاب. وتوقف الزعيم الصينى عند ما قدمته بلاده من تضحيات فى الحرب العالمية الثانية، وتوقف المراقبون عند ما كشف عنه زعيم كوريا الشمالية خلال لقائه الرئيس بوتين حول أنه كان صاحب مبادرة إرسال قواته إلى مقاطعة كورسك الروسية المتاخمة لشمال أوكرانيا، للمشاركة فى تحريرها.
ولم يغفل المراقبون كذلك الإشارة إلى ما كشفت عنه الصين فى عرضها العسكرى الأخير من قدرات نووية لأول مرة.
وثمة من يقول إن الهند بكل ما تملكه من قدرات بشرية واقتصادية وعسكرية، فى سبيلها الى الانضمام إلى مثل هذه التحالفات «غير المعلنة»، فى إطار محاولاتها للتخلص من الضغوط الأمريكية وما يفرضه ترامب من قيود وتعريفة جمركية عالية ضدها بالنسبة لكل ما تستورده من روسيا، كما سبق وأن أعلنت الإدارة الأمريكية الحالية.
رابط دائم: