هناك عدة مصطلحات لم تعد متفرقة، بل بات يجمعها إطار واحد هو صناعة التقدم، مثل التنمية والحوار النقدى والديمقراطية والمشاركة والمواطنة، ويضاف إليها الاستنارة الذهنية. وهناك ما يشبه الاعتماد المتبادل فى علاقة تلك المصطلحات بعضها بعضًا، فلا يمكن أن تتحقق التنمية دون مشاركة مجتمعية، ويصعب أن تتحقق المواطنة دون تنمية حقيقية تستوعب كل الفئات، وتكفل لهم حقوقًا متساوية، ومن غير المتصور أن يكون هناك تقدم مادى فى المجتمع دون أن تلازمه أساليب متقدمة فى الحياة، وهى مسألة تحتاج بالتأكيد إلى ما نطلق عليه الاستنارة الذهنية أو التفكير المستنير. فى الفترة الأخيرة ظهرت عدة أحداث تشير إلى أهمية العمل بكثافة على تحقيق الاستنارة الذهنية، وهى قضية لا تخص الدولة أو الحكومة وحدها، بل تشمل مؤسسات المجتمع الأخري، الدينية والثقافية والاجتماعية، وطالما أن السوشيال ميديا صارت مجالا للتفاعل الكثيف، يمكن أن نعتبر ما يثار فيها من نقاشات نموذجًا لما يدور فى عقول شريحة متفاعلة من الجمهور.
من هذه المناقشات تجدد الحديث حول حشمة ملابس الناس، رجالا ونساء، وطالب البعض علنا بفرض قيود وضوابط على ما يرتديه الناس من خلفية متزمتة، وهى مسألة أظن أن المجتمع الحديث تجاوزها استنادا إلى الحرية الشخصية للأفراد، ومن النقاشات أيضا طلب الرأى الدينى فى قضايا تبدو بسيطة وهامشية للغاية، وامتد الأمر إلى برامج فضائية تتلقى اتصالات المشاهدين، وترد عليهم على الهواء مباشرة، وكثير مما يطرح من أسئلة تبدو شديد السطحية، وقد سبق أن نبه مؤشر الفتوى بدار الإفتاء المصرية إلى هذه الظاهرة التى تزداد خطورة مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث يلجأ البعض إلى الفتاوى الالكترونية التى تصدر عن غير متخصص، وقد تصل إليهم محملة بأفكار متطرفة أو غريبة نتيجة المعلومات التى تستند إليها تلك التطبيقات. ويرتبط بذلك ظاهرة المساجلات الدينية الالكترونية التى تغزى الشعور بالاحتقان والكراهية، سواء بين أبناء الدين الواحد، مسلمين أومسيحيين، أو بين أفراد من الجانبين.
وبجانب ذلك هناك اقبال على تعليقات جنسية على أخبار تخص فنانات أو مشكلات أسرية، أو على صفحات يبدو أن غرضها مما تطرحه من أسئلة وقضايا أن تسحب الجمهور إلى مثل هذه النوعية من النقاشات، التى يشارك فيها رجال ونساء،ولا تخلو من ابتذال. وقد أصبح معتادا من جمهور السوشيال ميديا تناول خصوصيات الناس بقدر من الاستهانة، بما فى ذلك حياتهم الخاصة، وعلاقاتهم الأسرية، فى حياتهم وأحيانا بعد موتهم.وفى بعض الجرائم التى تكون الضحية فيها من السيدات أو الفتيات نجد من يدافع عن الجانى بمنطق ذكوري، ويسعى إلى تحميل الضحية المسئولية، كما حدث فى جرائم تساءل البعض عن ملابس الفتيات، ووجودهن خارج المنزل ليلا، ولم يتسألوا عن الدوافع المريضة التى دفعت الجناة لإتيان أفعالهم المٌجرمة.
بالطبع فى نهاية المطاف يأخذ القانون مجراه، ويٌعاقب الجانى على جريمته، لكن النقاشات على السوشيال ميديا فى حد ذاتها تكشف عن خلل فى التفكير. هذه مجرد عينة لمناقشات تدار فى الفضاء الالكتروني، وتقدم أشكالا من التشدد الدينى والاجتماعى والثقافي، يمثل فى ذاته تربة خصبة للتطرف من ناحية، ويقف حجر عثرة أمام الاستنارة الفكرية التى يحتاج إليها المجتمع من ناحية أخري. وأظن، كما أثبتت التجربة فى السابق، أن الجماعات المتطرفة تستند إلى تلك الحاضنة الاجتماعية والثقافية للتطرف، وتستدعيها فى لحظات الاحتياج إليها.
وفى ظل سعى الدولة المصرية الدءوب لمواجهة الارهاب، وحملات التشكيك والشائعات، والأخبار المغلوطة والشعور بالإحباط التى ترعاها منصات الكترونية معادية بأشكال ومسميات متنوعة، تنفق مئات الملايين من الدولارات، وتسعى للنيل من مؤسسات الدولة، وعلاقة المواطنين بها، ينبغى أن نكون على وعى بخطورة الحاضنة الاجتماعية والثقافية للتطرف، التى توظف سياسيًا ضد استقرار الدولة المصرية. وقد يستدعى ذلك تحركات منسقة فى عدد من الملفات الأساسية التى تصب فى تعزيز الاستنارة الذهنية للمواطنين، أبرزها: التأكيد على التربية المدنية فى المدارس فى اتجاه تعزيز التفكير النقدي، والأنشطة الثقافية والفنية، والمشاركة المجتمعية، وتوجه الإعلام نحو نقد الثقافة المتشددة، بتجلياتها المختلفة، وكشف خطورتها، والحريصين على ترويجها، وذلك فى غمار تصديه للمشروع السياسى للتطرف، علاوة على انخراط المؤسسات الدينية فى إنتاج خطابات نقدية للتوجهات السلبية فى النقاشات الدينية، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإشراك منظمات المجتمع المدنى فى مبادرات تنويرية بالتعاون مع الهيئات الثقافية، تصب فى نقد الأفكار والممارسات التى تعادى العقلانية والتقدم، خاصة على المستوى الجماهيري، واعتبار قضية الاستنارة الذهنية توجهًا لمؤسسات الثقافة، وهى بالفعل إحدى القضايا الأساسية التى ينبغى أن تعمل عليها.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزى رابط دائم: