رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

مدارسنا وثقافة  «العبد يُقرع بالعصا»

فى زخم الاستعداد للحملات الانتخابية لعضوية مجلس النواب المقبلة، تناثرت أطروحات متعددة، البعض منها كان مثيرا لللغط، ولعل أغربها كان اقتراح تغيير مواعيد العمل الرسمية لتبدأ من الـ 5صباحًا بدعوى تحسين الصحة وزيادة الإنتاج، وآخر يقترح إجازة الضرب فى المؤسسات التعليمية بدعوة استعادة هيبة المعلم!

ورغم أن المقترح الأول يطرح عدة تساؤلات حول مدى ملائمته لبيئة العمل وظروف الأسر المصرية؛ إلا أن فكرة تقنين الضرب فى مجتمع بات العنف يستشرى فيه بصورة لم نعرفها من قبل، استوقفتنى بدرجة أكبر وأعادت لذاكرتى أوراقا كثيرة قرأتها على مدار سنوات عن تأثير العقاب البدنى على نفسية وسلوكيات الأطفال ؛ وعن الغرض من التعليم وماهية المعرفة المطلوبة فى هذا الزمن... حيث تعرف الموسوعات المعرفة بأنها مجمل ما يحصل عليه الفرد من حقائق ومعلومات من خلال دراساته النظرية والتطبيقية وخبرات يمكن له فهمها واستيعابها وتطبيقها،  وأن الغرض من التعليم هو تمكين الأفراد من تطوير إمكانياتهم الكاملة، واكتساب المعرفة والمهارات، وتكوين شخصياتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، والمساهمة بفعالية فى تنمية مجتمعاتهم ودعم التنمية المستدامة، وتحقيق الاندماج الاجتماعى السليم، وضمان مستقبل أفضل للمجتمعات. وفرض التطورالتكنولوجى معطيات جديدة فى عالم اليوم، أهم أولوياتها القدرة على توظيف المعلومات فى بناء معرفي؛ يطوى صفحة التلقين والحفظ ويسلح الطلاب بأدوات النقد والتساؤل وروح الحوار والمسئولية؛ الأمر الذى يؤكد أن محاولة حل مشكلات سلوكيات الطلبة ومنظومة التعليم المهترئة من منظور سطحى يغفل البعد الثقافى والاجتماعى فى العملية التعليمية ويقنن العنف البدنى أشبه بالعبث او الحرث فى الماء.

والحقيقة أن التراث الإنسانى حافل بالكثير من الرؤى والنظريات التى تعرضت للعلاقة بين المعرفة وسلوكيات البشر، فمنها ما تعرض لفكرة بناء الضمير الفردى والجمعى وعملية التنشئة الاجتماعية؛ مثلما عبر الكاتب الألمانى «جوهان جوته» عن ارتباط المعرفة بالضمير الإنسانى متسائلا إلى ماذا تصير المعرفة إن لم ترافقها الحكمة؟ ثم يستطرد قائلا «يقتلنا كلّ ما يحرر فكرنا من دون أن يزوّدنا بالسيطرة على أنفسنا والتحكّم بها». فى السياق ذاته  أسست الدراسات لسبل التعلم والإبداع والابتكار وتوظيف القدرات الشخصية، وإيجاد الوعى والإدراك لتحقيق الإشباع النفسى والمادى للفرد، الكفيلين بدورهما بدعم تماسك المجتمع والحفاظ على القيم والثوابت والتراكمات التاريخية التى تصنع وجود الأمم.

 فإذا من عرضنا  لاتجاهات تقويم الصغار من خلال العقاب البدنى واعتقاد البعض أنه الوسيلة الناجعة لتعليم الصغار وتهذيبهم ومجابهة حالة الانفلات الأخلاقى وتدهور التعليم، التى يرجعونها للالتزام بالمواثيق الدولية والقوانين المحلية التى تحرم العقاب البدني، سنجد فى المقابل دراسات عدة تناولت أساليب التنشئة الاجتماعية؛ خلصت إلى أن العنف البدنى واللفظى وسوء المعاملة والحرمان العاطفي، كلها عوامل تلعب دورا مهما فى تهيئة الفرد لارتكاب العنف وتولد فى نفوس الصغار الروح العدوانية.

وعلى سبيل المثال يؤكد .د.«روميو فيتالي» المتخصص فى علم نفس الطفولة بعد دراسة استمرت لأكثر من عقدين فى الولايات المتحدة أن أغلب البحوث التى أجريت على الأطفال الذين تعرضوا لعقوبات بدنية أثبتت أنهم عانوا مشاكل لاحقة؛ تمثلت فى السلوك العدوانى وممارسة السلوك نفسه ضد الأطفال الأقل قوة والأصغر سنا.

كما كشفت عدة دراسات نشرتها دورية «علم النفس العائلى الأمريكية، أن الصغار الذين يتمتعون بالحب والتشجيع أكثر انضباطا وقدرة على التغلب على المشاكل وأقل ميلا للعنف، وأن العقاب البدنى يؤدى لشعور الطفل بأنه مرفوض ومضطهد مما يؤدى لمزيد من عدم الانضباط.

ولعل البديل الذى طرحه الخبراء لتقويم الصغار من خلال الإرشادات الواضحة الحازمة والتجاوب معهم ومنحهم الثقة، يذكرنا أن النصف الأول من عبارة «العبد يُقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة» لم يعد له مكانا ولا جدوى فى عالم مختلف ومجتمعات معرفة، تحتاج لكل لبيب يفهم بالإشارة، لا لمن يُساق بالعصا.


لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: