رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

صلاح الدين حافظ .. صحبة الأهرام وأمانة الموقف

جمعنا الأهرام فى أزهى وأجمل أيامه ، تزاملنا فى أكثر الأحداث بريقًا وأخطرها أثرًا ، وكانت بيننا باقة بديعة من الأحلام والرؤى.. وفرقتنا ظروف العمل أمام ضرورات فرضت الغياب أحيانًا ، ولكننا نعود ونحن أكثر إيمانًا وصدقًا مع أنفسنا وكل من حولنا، فمن الصعب أن يكون صلاح الدين حافظ بشخصيته وتكوينه وفكره إنسانًا عابرًا فى حياة من عرفوه واقتربوا منه. . كان صلاح الدين حافظ من أقرب الأصدقاء إلى قلبى منذ التقينا فى الأهرام فى بداية مشوارنا فى بلاط صاحبة الجلالة. كان واضحًا فى فكره ومواقفه وقناعاته، صادقًا مع نفسه ومع الآخرين، لم يتلون ولم ينافق، ولم يعرف الصفقات بكل أشكالها، وربما خسر أشياء كثيرة لذلك كله، ولكن الشيء المؤكد أنه كسب نفسه..

 

ــــــ كان صلاح من بدايته أحد رموز النخبة المصرية، وقد أعد نفسه من البداية إعدادًا جيدًا فى فكره وثوابته وقناعاته ، كان يحمل جذور أرض نبت فيها ، تُقدِّر الجذور وتدرك معنى الأصالة.. اجتمعنا فى الأهرام على مجموعة من القيم والمبادئ رسختها هذه المؤسسة العريقة فى دورها ومكانتها ورموزها.. كان صلاح الدين حافظ صحفيًا وكاتبًا من طراز رفيع، صال وجال فى كل آفاق المهنة واحتل مكانة بارزة فى كل مواقع العمل فى الصحيفة كاتبًا ومحللًا وصاحب رأى وموقف..

ــــ اختار صلاح منذ البداية قضيتين تحكمان مشواره: الحرية والكرامة.. كان يضع حرية الصحافة قضية عمره، وكانت كرامة الكاتب أول مصادر الحماية لكل صاحب فكر.. كان يؤمن عن يقين إن الصحافة بلا حرية غرس بلا ثمار ، وأن إهدار كرامة الكاتب عدوان على الدور والقيمة والرسالة.. اختار صلاح من البداية الأرض التى ستشهد معاركه، وهى نقابة الصحفيين فكان سكرتيرًا عامًا لنقابة الصحفيين قبل أن يكمل الثلاثين من عمره، لفترتين متتاليتين. ومنذ هذا التاريخ احتفظ صلاح بتقدير الصحفيين من كل الاتجاهات، رغم وضوحه الشديد فى مواقفه وفكره. ولم تشهد نقابة الصحفيين انتخابات لم يطرح فيها اسم صلاح الدين حافظ، سواء كان نقيبًا أو عضوًا فى مجلس النقابة، وكان دائمًا يمثل صفحة مضيئة فى تاريخ صاحبة الجلالة.. وأقام علاقات مع كل التيارات الفكرية والمهنية وأصبح رمزًا من أهم رموز النقابة دفاعًا عن قضايا الحرية والكرامة ، وتحول إلى صوت للمهمشين من أبناء المهنة..

ــــــ انتقل صلاح إلى مرحلة أخرى فى إيمانه بقضية الحرية ونقل دعوته إلى اتحاد الصحفيين العرب ، وأصبح أكبر الرموز فيه، وجمع حوله حشدًا كبيرًا من كل الاتجاهات فى الساحة العربية.. كان صلاح من أكثر المثقفين المصريين إيمانًا بالعروبة فكرًا وثقافة وانتماء.. تحول صلاح الدين حافظ إلى رمز من رموز القضايا العربية ودخل معارك كثيرة دفاعًا عن عروبة مصر وإيمانًا بأن مصالحها الحقيقية فى عروبتها. كان صلاح الدين حافظ يتمتع بتقدير خاص فى أوساط المثقفين العرب أمام مواقفه التى لم تتغير، وقناعاته التى ظل متمسكًا بها حتى آخر أيام حياته. وربما دفع صلاح ثمن ذلك كله عندما دخل فى معارك وصراعات إقليمية قصيرة النظر، سواء خرجت من هنا أو من هناك. اختلف صلاح حول قضايا كثيرة، لعل أهمها اتفاقية السلام مع إسرائيل، وتهميش الدور العربى لمصر، والنفوذ الأمريكى فى المنطقة، واغتيال العراق، وتشتيت الأمة العربية أمام مطامع دولية وإقليمية، وكانت قضية فلسطين من أهم القضايا التى منحها عمره وحياته..

ــــــ وسط كل هذه الأحداث والتغيرات والمواقف سافر صلاح إلى إحدى العواصم العربية رئيسًا لتحرير أكبر الصحف فيها.. واستطاع أن يقدم تجارب صحفية ناجحة ومؤثرة، فتحت الأبواب أمام أجيال جديدة من الصحفيين العرب فى هذه المناطق، وهناك العشرات من تلاميذ صلاح الدين حافظ ينتشرون الآن كالمصابيح المضيئة فى الصحافة العربية..

كان صلاح يتعرض أحيانًا إلى أساليب فى العمل لا تتناسب مع قناعاته، خاصة ما يتعلق بقضايا الحرية.. وفى هذا التوقيت كتب سلسلة من المقالات حول حرية الكاتب وأصدرها فى كتاب أثار ضجة كبيرة لدى سلطة القرار فى ذلك الوقت..

ــــــ اختار صلاح الغربة حلًا وابتعد قليلًا عن مناطق الأزمات، وكان يتصور أنها راحة محارب ، ولكن سنوات العمر سرقته وبقى فى غربته، وإن كان الحنين يشده إلى عودة تأخرت كثيرًا.. عاد صلاح إلى مصر وعاد شريان المودة يسرى بيننا ، وكنت أشعر بأن الغربة تركت فى صلاح شيئًا لا أعرفه.. وكنا نلتقى بصورة دائمة وإن كانت الأحلام قد خذلتنا وتغيرت أشياء فينا دون أن نعرف أسبابها..

لأول مرة أخفى عنى صلاح قرارًا يخص حياته، وحين علمت لم أفاتحه فيه ، فقد غير بعض الأشياء التى تأخر زمانها.. كانت مفاجأة صلاح حدثًا مهمًا فى حياته وابتعدنا قليلًا.. وكانت المفاجأة الأكبر رحيل ابنه الوحيد إيهاب .. كنت أبكى مع صلاح وهو يضع رأسه على جسد وحيده فى ساحة المسجد .. عاش صلاح محنة قاسية بعد رحيل وحيده إيهاب، وبقيت غادة ابنته بجانبه تواسى جراحه.. وفوجئت يومًا بأن صلاح يستعد للسفر إلى أمريكا، وتصورت أنها مهمة عمل.. وحين عانقته فى مكتبه وهو يودع المكان ، كانت سنوات العمر تعبر أمامى كأنها أطياف سكنت القلب وأصبحت رحلة صداقة جميلة ومشوارًا من البهجة والألم.. كنت أزور صديقنا الغالى د. رفعت كامل، الجراح الشهير، ودمعت عيناه وهو يخبرنى بأن صلاح يعيش أزمة صحية خطيرة وقد سافر إلى أمريكا للعلاج.. ورحل صديق الزمن الجميل صلاح الدين حافظ، واحد من أنبل فرسان صاحبة الجلالة ..

ــــــ واجه فى مشواره الصحفى واقعًا مهنيًا وإنسانيًا اتسم بالشراسة، ولم يأخذ المكان والمكانة التى تليق به فى بلاط صاحبة الجلالة ، إما تجاهلًا أو حقدًا أو تصفية حسابات .. ولكنه عوّض ذلك كله بهذا الحب الجارف الذى عاشه مع زملاء مهنته من الصحفيين الشباب قبل الشيوخ، ومع القراء الذين حملوه فى عيونهم محبة وتقديرًا واحترامًا..

جمع صلاح الدين حافظ أصالة أهل الصعيد وكبرياء المثقف المعتز بنفسه، حسن الخلق وكرم الطباع.. وعاش حياته كما أراد ربما خذلته العلاقات فى بعض الناس، وخذلته أحلامه أحيانًا وتخلت عنه ولكنه لم يتغير فى شيء.. بقى ذلك الشاب الصعيدى الذى حمل تقاليد القرية وعاش بها صدقًا وإخلاصًا ورجولة..

 

..ويبقى الشعر

 

مَا عُدتُ أَعْرِفُ

أين أنْتِ الآنَ يَا قَدَرِى

وَفِى أَى الحَدَائِق تُزْهِرِينْ ؟

فِى أَيّ رُكن فِى فَضَاءِ الكَوْنِ

صرتِ تُحَلِّقِينْ؟

فِى أَيْ لُؤْلُؤَةُ سَكَنَتْ..

بأى بَحْر تَسْبَحِينْ؟

فِى أَيْ أَرْضٍ..

بَيْنَ أحْداق الجَدَاوِلُ تُنبتينْ؟

أَىًُ الضُّلوع قَدِ احْتَوتك ِ

وَأَيُّ قَلْبِ بَعْد قَلْبِى تَسكُنِينْ!

◙   ◙    ◙

مَازلتُ أَنْظُرُ فِى عُيونِ الشَّمْسِ

عَلك فِى ضيِاها تُشَرقِينْ

وَأطِلُّ لِلبَدْرِ الحَزِينِ لَعَلنىِ

أَلْقَاكِ بينَ السًحْبِ يَومًا تُعبرِينَ

لَيلٌ مِنَ الشَّكّ الطَّوِيلِ أَحَاطَنِى

حَتَّى أَطَلَّ الفَجْرُ فِى عَينَيْكِ نهرًا مِنْ يَقِينْ

أَهْفُو إِلَى عَينَيْكِ سَاعَاتٍ ..

فَيبدَو فِيهِمَا

قيْدُ.. وعَاصِفَةٌ..عُصْفُورُ سَجيِنْ

أَنَا لَمْ أُزَلْ فوَقَ الشَّواطئ

أَرْقُبُ الأَمْواجَ أَحْيانًا

يُراوِدُنِى حَنِينُ العَاشِقينْ…

◙   ◙    ◙

فِى مَوكِبِ الأَحلَامِ ألمحُ مَا تَبقَّى

مِنْ رَمادِ عُهودِنَا..

فَأْرَاكِ فِى أَشْلائِهَا تَتَرنَّحِينْ..

لَمْ يبْقَ مِنْكَ

سَوى ارْتعَاشَةِ لَحْظَةٍ

ذَابَتْ عَلَى وَجْهِ السّنِينْ

لَمْ يَبْقَ مِنْ صَمْتِ الحقَائِبِ

والكُئوسِ الفَارغَات سِوَى الأَنِينْ

لَمْ يبقَ مِنْ ضَوْءِ النَّوَافِذِ

غَيرُ أَطْيافٍ تُعَانقُ لهفَتِى

وَتُعِيدُ ذِكرَى الرَّاحِلينْ..

مَازِلتُ أَسْأَلُ : مَا الَّذِى

جَعَلَ الفَرَاشَةَ تُشْعِلُ النِّيرانَ

فِى الغُصْنِ الوَدِيعِ المستْكِينْ؟!

مَازِلتُ أَسْأَلُ : مَا الَّذِى

جَعلَ الطٌيورَ تَفِر مِنْ أَوْكَارِهَا

وَسْطَ الظَّلَامِ..

وَتَرْتَمِى فِى الطِّينِ؟!

◙   ◙    ◙

ما عُدْتُ أَعْرِفُ

أين أَنْتِ الآنَ يَا قَدَرِي

إِلَى أَيْ المدائِنِ تَرحَلِينْ؟

أَنى أَرَاكِ

عَلَى جَبِينِ الموْجِ..

فِى صَخَبِ النَّوارِسَ تَلْعَبِينْ..

وَأرَى عَلَى الأُفْقِ البَعِيدِ

جَناحَكِ المنقُوش مِنْ عُمرِي

يحلقُ فَوْقَ أَشْرِعَةِ الحَنِينْ

وَأرَاكِ فِى صَمْتِ الخَرِيفِ

شُجَيْرَةً خَضْراءَ

فِى صَحْرَاءِ عُمْرِى تَكْبُرِينْ

وَيَظَلُّ شِعْرِي

فِى عُيُونِ النَّاسِ أحْداقًا

وَفِى جَنْبِى سِرًٌٌ ..لَا يَبينْ

لَمْ يبقَ مِنْ صَوْتِ النوارِس

غَيرُ أَصْدَاءٍ تُبعْثِرُهَا الرِّيَاحُ فَتنْزَوِي

أَسَفًا عَلَى المَاضِى الحَزِينْ

أَنَا لَمْ ازِلْ بينَ النوارِس

أَرقُبُ اللَّيلَ الطَّويلَ

وأشْتَهَى ضَوءَ السَّفِينْ

مَا زِلتُ أَنْتَظِرُ النوارِسَ

كُلَّمَا عَادَتْ مَوَاكِبُها

وَرَاحَتْ تَنثُرُ الأَفْرَاحَ فَوقَ العَائِدِينْ

◙   ◙    ◙

مَا عُدْتُ أَعْرِفُ..

أين أَنْتِ الآنَ يَا قَدَرِى

وفِى أَيّ الأَمَاكِنِ تَسْهَرِينْ؟!.

العَامُ يَهربُ مِنْ يَدِى

مَا زَالَ يَجْرِى فِى الشَّوَارِعِ..

فِى زِحام النَّاسِ مُنْكَسِرَ الجبينْ

طِفْلٌ عَلَى الطُّرقَاتِ

مَغْسُولٌ بَلْونِ الحبّ

فِى زَمَنِ ضَنِين ْ

قَدْ ظَلَّ يَسْأَلُ عَنْكَ كُلَّ دَقِيقَةٍ

عِنْدَ الوَدَاعِ ، وَأَنْتَ لَا تَدْرِينْ

بِالأَمْسِ خَبَّأَنِى قَلِيلًا فِى يَدَيْه..

وَقَالَ .. فِى صَوْتٍ حَزِينْ:

لَوْ تَرجِعِينْ

لَوْ تَرجِعِينْ

لَوْ تَرجِعِينْ

------------------------------------

قصيدة « لو ترجعين  » 1998

[email protected]
لمزيد من مقالات هوامش حرة يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: