فى المقال السابق بعنوان «نصف الإجابة لا يفيد» طرحت إشكالية التخصص العلمى الضيق، الذى لا ينفتح على بقية التخصصات، يقدم فى أفضل الأحوال نصف إجابة، لا تبنى معرفة، ولا تطور واقعًا. وبعد أيام، تناول الدكتور سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع، وعضو المجلس الأعلى للثقافة، فى مقال له ما سماه «التخصصات الفانية»، فى سياق حديثه عن مستقبل العلوم الاجتماعية، وقد أحدث طرحه جدلا على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد رأيت فيه اتفاقًا فى النظرة إلى حد بعيد مع مقالى السابق، وإن اختلف فى طريقة المعالجة، وما ساقه من تشخيص وحلول. بداية أعجبنى حديثه عن «التخصصات الفانية»، وانشغلت بالتفكير فى معركة الفناء والبقاء التى يجد المتخصصون فى العلوم الاجتماعية أنفسهم أمامها، فى أروقة المؤسسات التعليمية، وفى الواقع العملي، إلى حد أن البعض يطالب بإعطاء أولوية مطلقة لدراسة التكنولوجيا بوصفه بوابة التقدم، والذى لا تسهم العلوم الاجتماعية فيه بنفس القدر. هنا نتساءل: لماذا يفنى تخصص علمي، بينما ينتعش تخصص آخر؟
يماثل فناء التخصصات العلمية، على ما يبدو، تداعى الممالك القديمة، التى يأتى عليها وقت تضعف فيه، وتشيخ، وتتهاوى أمام الممالك الأخرى الفتية البازغة. يفنى التخصص فى مجال العلوم الاجتماعية عندما يقل الطلب عليه، ويقصر فى تطوير الواقع، وتغرب الكفاءة عن أهل التخصص فيه، ويخفقون فى تطوير معارفهم وأدواتهم، ويلتمس الدارسون مجالات أخرى غيره أكثر كسبًا وحضورًا، وتنضب الموارد التى تنفق عليه، وتغيب الجرأة والجدية والإبداع عن الإنتاج العلمى المحيط به، ويصل تدريجيا إلى حالة من الانزواء، وينتقل إلى الظل، ويصبح بديلا متاحًا يلجأ إليه الطالب للحصول على شهادة جامعية من باب «التخصصات النظرية»، إذا أوصدت أبواب التخصصات التى توصف بالعملية أمامه، ولا يُخفى أن فى التفرقة بين هذا وذاك دلالات معبرة، فالنظرى قد يعنى فى الأذهان الهامشية، والتجريد، والسرديات المٌلقنة، وغياب الالتحام بالحياة، فى حين يكون النشاط، والإنجاز، والإنتاج، والخبرة التراكمية فى صف المنتمين إلى التخصص العملي. أتذكر منذ أكثر من ثلاثين عامًا كنت برفقة صديق لى مهندس، وكنا حديثى التخرج من الجامعة، وقد التقينا مصادفة بأحد الأساتذة البارزين فى مجال العلوم الاجتماعية، الذى شكلت كتاباته علامة مهمة فى مجال تخصصه، وعندما قدمت له صديقي، وأشرت إلى تخصصه، ابتسم مرحبًا به، وقال له عبارة لازلت أتذكرها: «جيد أنك تعمل عملا مٌنتجًا». فى حديثه طرح الدكتور سعيد المصرى اقتراحين للإبقاء على العلوم الاجتماعية على الخريطة الاكاديمية، ومن بينها علم الاجتماع الذى ينتمى إليه، منها الدراسات العليا الجادة، والانفتاح على التخصصات البينية لمواكبة التطورات الجديدة فى العلم، وسوق العمل. بالتأكيد كلا الاقتراحين مهمان، لكنى أنظر إلى المسألة من زاوية أخري، ليست بعيدة عما ذكره، وهي: أهمية تقديم العلوم الاجتماعية فى تطورات الحياة المتسارعة فى المجتمع المعاصر، بحيث يصبح هناك طلب دائم عليها، وهو ما نجحت فيه الدراسات الاجتماعية الغربية، التى لا تفوت فرصة أو مجالا إلا وتضع بصمتها فيه، الأمر الذى يجعلها فى حالة تطور، وابتكار، واشتباك،وإبداع فى طرح المشكلات والحلول معا. الأمثلة على ذلك كثيرة، منها تسليط الضوء على التداعيات الاجتماعية التى ارتبطت بانتشار جائحة كورونا، والتى طورت كثيرًا من أدوات جمع البيانات، وتحليلها، ومست مشاعر العزلة والاغتراب والموت والحياة والمجتمع الاستهلاكى عند الإنسان المعاصر، والتتبع المستمرة لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، بين كونها نافذة للمعرفة لا تميز بين الناس اجتماعيا، وكونها أيضا مصدرًا للاضطراب والصور الذهنية المغلوطة، وأيضا التطور فى قياس أثر السياسات العامة فى شتى المجالات، مما يسهم فى تطويرها بمعطيات مستقاة من الواقع، وليس استنادا إلى سرديات الباحثين فى غرف مغلقة.
وكما طرحنا فى البداية سؤالا حول أسباب فناء التخصص العلمي، نختم الحديث بسؤال مترتب عليه: لماذا نخشى على العلوم الاجتماعية من الفناء فى مجتمعنا، وهى بالفعل تواجه أزمة وجود، بينما لا نجد الخشية نفس عند الأكاديميين الغربيين، بل نراهم منتعشين يطورون معارفهم، وأدواتهم، وإنتاجهم العلمي، ويقدمون باستمرارعلى نحو مبهر سيلا من المفاهيم الجديدة، أو القديمة التى يعاد إنتاجها، تلازمها أحاديث نقدية مكثفة، بما يمثل فى ذاته فرصة لتطوير المعرفة، وإلهام الباحثين بأفكار متجددة، بينما نحن أقل انتاجًا للمفاهيم والأفكار، وأكثر ابتعادًا عن الحوار النقدي؟
باختصارسوف تنتعش التخصصات الاجتماعية، وتتجاوز خطر الفناء، إذا وجد المجتمع ضرورة لها، ومنحها مساحة الحرية الواجبة للتفكير والبحث والإبداع، وفى كل الأحوال من الأهمية أن نواصل الحديث، وتبادل الرأى حولها، حتى لا تنزوى فى صمت.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزى رابط دائم: