رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

«قمة ألاسكا».. بين رمزية المكان وآفاق الاتفاق

رسالة موسكو د. سامى عمارة
لقاء بين ترامب وبوتين في فنلندا عام 2018

فاجأ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب العالم بما كتبه فى تدوينته على منصة «تروث سوشيال» وقال فيها : «إن الاجتماع الذى طال انتظاره وبشدة بينى، بصفتى رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، والرئيس الروسى فلاديمير بوتين، سيعقد يوم الجمعة المقبل 15 أغسطس 2025، فى ولاية ألاسكا العظيمة». وكانت كل من موسكو وواشنطن قد أعلنتا فى وقت سابق عن زمان ومكان انعقاد هذه القمة، لتكون ألاسكا بذلك مكانا لأول قمة فى التاريخ، ولأول زيارة لرئيس روسى منذ باعتها الإمبراطورية الروسية إلى الولايات المتحدة فى عام 1867.   

كما كتب حاكم ألاسكا مايك دان ليفى على منصة التواصل الاجتماعي X «» أرحب باللقاء بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس الروسى فلاديمير بوتين هنا فى ولاية ألاسكا الرائعة. لقد كانت ألاسكا دائما بمثابة جسر بين الشعوب، ونحن اليوم نظل بوابة للدبلوماسية والتجارة والأمن فى واحدة من أهم مناطق العالم».

وكان يورى أوشاكوف مساعد الرئيس الروسى للشئون الخارجية الذى يتصدر المشهد الإعلامى الروسى منذ وصول ستيف ويتكوف المبعوث الشخصى للرئيس ترامب الى العاصمة الروسية، أشار إلى أن كلا من موسكو وواشنطن ستكثفان وبطبيعة الحال دراساتهما الأكثر نشاطا للمعايير العملية لاجتماع ألاسكا، وأن ذلك سوف يكون عملية صعبة، لكن موسكو ستشارك فيها بنشاط وبشكل مكثف". وأضاف أوشاكوف بقوله:" إنه سيكون من المنطقى أن يجرى تنظيم اللقاء القادم للرئيسين بعد قمة ألاسكا، على الأراضى الروسية، وقد وجه الجانب الروسى الدعوة إلى هذا الاجتماع إلى الرئيس ترامب".   

وانضم إلى صدارة المشهد الإعلامى كيريل دميتريف رئيس صندوق الاستثمارات المشتركة والممثل الشخصى للرئيس بوتين للتعاون الاقتصادى مع الدول الأجنبية، الذى سبق وظهر فى أول مفاوضات روسية أوكرانية إلى جانب سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسية، ويورى أوشاكوف مساعد الرئيس بوتين للشئون الخارجية خلال هذه المفاوضات فى الرياض، ليقول: "إنه يجب على روسيا والولايات المتحدة تطوير التعاون فى مجال البنية التحتية والطاقة فى القطب الشمالى وما جاوره". وأضاف : "دعونا نطور التعاون الروسى الأمريكى فى مجال حماية البيئة والبنية التحتية والطاقة فى القطب الشمالى وخارجه". وكان دميتريف سبق وانتقد خصوم روسيا وما يبذلونه من محاولات لإحباط الحوار الروسى الأمريكى وتشويه معلومات القيادة الأمريكية حول الموقف الروسى من الأزمة الأوكرانية، ولذا فإن اللقاء المقبل سوف يكون حدثا تاريخيا يمكن أن يسهم فى إيصال مواقف موسكو إلى الجانب الأمريكى بصورة مباشرة.

وكتبت صحيفة "ازفيستيا" حول اختيار ألاسكا كمكان للاجتماع إنه كان "مفاجأة كاملة للجميع"، وذلك بعد أن توقفت وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية حول مواقع أخرى كثيرة ومنها الإمارات العربية المتحدة والمجر وإيطاليا وسويسرا، فى الوقت الذى استبعدت فيه المصادر الروسية البلدان الأوروبية على اعتبار أنها تظل جزءًا من المشكلة. أما عن اختيار ألاسكا، فقد عزته الصحيفة الروسية إلى ما كانت تعنيه شبه الجزيرة التى لطالما سميت بـ"أمريكا الروسية"، من رموز عملية وتاريخية فى الماضى القريب منذ كانت ملكا للإمبراطورية الروسية، قبل اتفاقها حول بيعها إلى الولايات المتحدة الأمريكية مقابل 7.2 مليون دولار ذهبى. كما أشارت الصحيفة إلى الدور التاريخى الذى لعبته ألاسكا فى توطيد العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، إبان سنوات الحرب العالمية الثانية، من خلال الممر الجوى "ألسيب" (ألاسكا - سيبيريا)، حيث زودت الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتى بالطائرات بموجب الإقراض والتأجير والبضائع الأخرى. كما مر طريق الغواصين السوفيت من فلاديفوستوك إلى مورمانسك عبر ألاسكا. وبهذا الصدد أشار حاكم الولاية مايك دنلى أيضا إلى أن المنطقة كانت دائما بمثابة جسر بين البلدين، لذلك فإن ألاسكا مستعدة لاستضافة قمة تاريخية للقيادتين الأمريكية والروسية.

ومن اللافت بهذا الصدد أن ألاسكا تظل أبعد نقطة تفصل الولايات المتحدة عن القارة الأوروبية. وذلك إضافة إلى ما قاله يورى أوشاكوف حول أنه فى ألاسكا والقطب الشمالى،” تتقاطع المصالح الاقتصادية للاتحاد الروسى والولايات المتحدة، وتظهر آفاق تنفيذ مشاريع واسعة النطاق ومفيدة للطرفين". وذلك من منظور ما سبق وأعرب عنه دونالد ترامب من اهتمام بتطوير التعاون مع موسكو فى مجال المعادن الأرضية النادرة. ولذا فمن المرجح أن يصبح موضوع المشاريع فى مجال استخراج الموارد، جزءا من جدول أعمال المفاوضات بين الزعيمين خلال القمة المرتقبة.

وتعليقا على اختيار ألاسكا مكانا للقمة الروسية الأمريكية نقلت صحيفة "ازفيستيا" ما قاله أوليج كاربوفيتش، نائب رئيس الأكاديمية الدبلوماسية، حول "إن قرار عقد قمة الرئيسين الروسى والأمريكى فى هذا المكان رمزى للغاية. بالطبع، من خلال الموافقة على المجىء إلى الولايات المتحدة، يظهر الرئيس بوتين الاحترام لزميله الأمريكى. لكن ترامب تخلى أيضا تماما عن النهج السابق للغرب، ودعا بوتين لزيارته وتدمير الخط لمقاطعة موسكو. كما أنه من الواضح أن الحديث لم يقتصر على الأزمة الأوكرانية وحسب، بل وسوف يتجاوزها إلى تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب موضوعات السياسة العالمية. وخلص كاربوفيتش إلى القول: "إنه لا يمكننا الاستغناء عن خلفية تاريخية مشرقة. ليس هناك شك: من خلال خلق ظروف مريحة لترامب للقمة، فإننا لا نقدم تنازلا فحسب، بل نمد يد الصداقة له، والتى يمكن أن تلعب دورا فى حلحلة الأزمة على نطاق عالمي".

ويمكن أن نضيف إلى ذلك كله، أن اختيار ألاسكاـ بعيدا عن القارة الأوروبية ـ يمكن أن يعكس ما يعتمل فى نفوس الكثيرين فى روسيا من سخط وغضب من الدور الذى أسهمت فيه بلدان هذه القارة من أدوار فى تفاقم الأزمة الأوكرانية، فضلا عما تواصله بلدان الاتحاد الأوروبى من محاولات لعسكرة الموقف وإثارة الخلافات بين روسيا والولايات المتحدة، وبما يعنى أيضا من دلالات الاختيار حول حقيقة أن عقد القمة فى الولايات المتحدة وطرح ألاسكا مكانا لانعقاد القمة "اختيار رائع" تعلن موسكو بطرحه، فى حال إذا تأكد مثل هذا التوقع، أنه دليل تقدمه "على مستوى التقارب والثقة" الذى نشأ بين موسكو وواشنطن، بعيدا عن مؤامرات وتدخلات القارة الأوروبية، التى لطالما حاول الرئيس الأوكرانى "المنتهية ولايته فى مايو 2024" إقحامها طرفا أساسيا فى المفاوضات التى جرت حول السلام فى أوكرانيا، وهو ما تظل ترفضه موسكو.

ومن المتوقع أن تتركز سيناريوهات القمة المقبلة حول الحلول الوسط بين ما طرحته موسكو من ضرورة اعتراف أوكرانيا بالسيادة الروسية على القرم والمقاطعات الأربع فى جنوب شرق أوكرانيا، والتخلى عن أحلامها بالانضمام إلى الناتو، وما قد يطرحه الجانب الأمريكى من اعتراف بضم القرم و"اثنتين من المقاطعات"، وهما لوجانسك ودونيتسك، وهو اقتراح "مثالي" قد تقبل موسكو بمناقشته شريطة ضمان توفير المياه العذبة لشبه جزيرة القرم، بما قد يعنى تبادل الأراضى فى كل من مقاطعتى زابوروجيه وخيرسون مقابل ما استولت عليه روسيا فى مقاطعات خاركيف وسومى ودنيبروبيتروفسك. وذلك فى الوقت الذى يؤكد فيه زيلينسكى ومعه الاتحاد الأوروبى وبريطانيا، أن "لا اتفاق حول أوكرانيا بدون مشاركة أوكرانيا"، فضلا عن ضرورة الالتزام بانسحاب روسيا إلى حدود عام 1991، إلى جانب دفع التعويضات، وتوفير الضمانات الأمنية، الى آخر ما "يحلم" به زيلينسكى ورفاقه الأوروبيون، وهو أيضا ما يظل خارج إطار النقاش والمفاوضات بالنسبة لموسكو، التى ثمة من يقول بين أوساطها إن نتائج قمة ألاسكا لا بد أن تكون بداية النهاية "للرئيس الأوكرانى"، الذى يظل ظهوره واستمراره فى صدارة المشهد السياسى لغزا يكتنفه الكثير من الغموض.      

ويبقى أن نشير إلى ما يتعالى من أصوات "مكتومة"، تتساءل فى هذا الصدد عن أسباب غياب كثيرين من كبار رموز السياسة الروسية، وابتعادهم عن صدارة المشهد السياسى، ومداولات المرحلة الأخيرة لما قبل الاتفاق على عقد القمة الروسية الأمريكية فى ألاسكا فى الخامس عشر من أغسطس الجارى، وكانوا دائما ملء السمع والبصر منذ أولى مشاهد التقارب الروسى الأمريكى والمفاوضات حول الأزمة الأوكرانية؟

 وثمة من يقول إن قمة ألاسكا تبقى محطة مهمة فى مسار الأزمة الأوكرانية، لكنها لن تكون المحطة الأخيرة، وأن النجاح الحقيقى سيتحدد بقدرة الأطراف على تحويل أى تقدم فى القمة إلى اتفاق شامل يحظى بقبول جميع الأطراف المعنية، خاصة أوكرانيا التى تدفع الثمن الأكبر لهذا الصراع.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق