رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اجتهادات
من أبٍ إلى رئيس

كنت أُقلب فى مكتبتى قبل أيام عندما عثرت على نسخة قديمة من كتاب «من أب مصرى إلى الرئيس الأمريكى وقصائد أخرى» الصادر عام 1953. القصيدة الرئيسية التى تحتل معظم صفحات الكتاب هى قصيدة الراحل الكبير عبدالرحمن الشرقاوى المنسية «رسالة من أب مصرى إلى الرئيس الأمريكى ترومان». رسالة الشرقاوى هذه هى فى الواقع رسالة كثير من الآباء فى أنحاء مختلفة من العالم إلى أى رئيس أمريكى، وليس فقط إلى الرئيس هارى ترومان (1945-1953)، لأنها تُصّور بعض رذائل سياسة الولايات المتحدة المستمرة بأشكال مختلفة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أو عشية تلك النهاية عندما اقترفت إدارة هارى ترومان جريمة هيروشيما وناجازاكى.

القصيدة طويلة جدًا، ولكنها بديعة للغاية، وناقدة بشدة لاتجاه عام فى السياسة الأمريكية، وليست سياسة إدارة ترومان فقط. كتب الشرقاوى فى مستهلها «يا سيدى إليك السلام.. وإن كنت تكره هذا السلام.. وتغرى صنائعك المُخلصين لكى يبطشوا بدعاة السلام.. ولكننى سأعدل عن مثل هذا الكلام.. وأوجز فى القول ما أستطيع.. فإنى معنى بشتى الأمور.. وإنى لاعجب لِم صوروك حديد الفؤاد بليد الشعور.. وأعلم أنك تهوى الزهور.. فتنشد ألوانها فى الرماد.. وتمشى فى الأرض حيث شئت.. لتقطف زهور الربيع.. فتسحق أوراقها اليانعات.. وتنثرها فوق أرض الشقاء..». ويمضى فيخاطب ترومان قائلاً: «فأنت إذا شئت تُجرى الرياح.. وإن شئت تقتلع الراسيات.. وأنت أبدت بكوريا الحياة بقنبلة وزنها ألف طن..». وختم قصيدته الطويلة جدًا بقوله: «فإن كنت تملك الذرة المُفنية.. فإنا نملك التضحية.. ونملك طاقاتنا كلها.. ونملك أيامنا الباقية.. وتاريخ أجيالنا الآتية».

والحال أن قصيدة الشرقاوى هذه لم تكن صرخة سياسية بليغة ضد الطغيان الأمريكى فقط، بل كانت نقلة أدبية أيضًا باتجاه الشعر الحر الذى يُعد هو أحد رواده الأوائل، بل يعتبرها البعض الوثيقة الشعرية التى أعلنت ولادة هذا الاتجاه، وفتحت الباب أمام تجارب شعرية جديدة. فسلامُ لروح الشرقاوى فى العام الثامن والثلاثين بعد رحيله.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: