رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

التعصب والهوية

للموت فى كل الثقافات جلاله ، مع ذلك ففى تلك اللحظات التى لا تكفى كل الكلمات ولو كتبت بمداد أمواج البحار والمحيطات لتعبرعما يعتمل بداخل النفس ، ضجت موقع التواصل الاجتماعى بتعليقات مستفزة تحمل تعصبا وتنمرا طالت فيروز؛ صوت الحنين والشجن، التى بدت فى سكونها وصمتها وكأنها تنشد آخر ترانيمها مع وللإبن ورفيق الدرب ومبدع أجمل ما شدت به؛زياد الرحباني.

التنمر نفسه تكرر وإن اختلفت تفاصيله عند رحيل الفنان المبدع لطفى لبيب، الذى لم يقتصرعطاؤه لمصرعلى دوره البطولى بشهادة رفاقه فى الكتيبة 26 منذ حرب67، مرورا بـ73، حتى عام 74، بل استمر عندما اختار مسارا جديدا. فكم من مرة فى ثمانينيات القرن الماضى جلجل فى جنبات مسرح الطليعة صوته، لافتا الأنظار إليه حتى فى الأدوار الثانوية بأدائه التلقائى فى أعمال مسرحية متميزة، شاهدها الجمهور المصرى بـ 25 قرشا فقط !.

وفى ظنى أن هذا التناقض بين المشاعر الجياشة التى تفجرها لحظة غياب يصبح فيها الصمت مرادفا للوجع، وبين التنمر الفج على صورة؛ هى لسان حال كل أم فقدت ابنًا، ووارت فى الثرى قلبها وحلمها وانتحرت الكلمات على شفتيها، فلم يبق سوى الصمت ودموع تواريها وراء نظارة شمسية قاتمة، ثم التحذير من الترحم على لبيب أو غيره بسبب اختلاف الملة، يعيدنا مرة أخرى للمربع صفر!!.

فمع الأخذ بعين الاعتبار الافتتان بالمشاهير، مقابل ولع البعض بانتقادهم و التقليل من شأنهم، وأن لمسة الفن السحرية كثيرا ما ترأب صدوعا سياسية وطائفية وتؤلف الاطياف المختلفة، يظل السؤال قائما: ما هو الفرق بين الذين اجتمعوا فى مشهد مهيب لوداع مبدعين ارتقيا إنسانيا وفنيا عن الطائفية والنزاعات العرقية وللتربيت على قلب انيسة الفرح والشجن والحنين فى الغربة والمنافي، وبين المتنمرين عليهما وعلى غيرهم؟!ما الفرق بين من تعالت إنسانيهم واحتموا بالمنطق وبين أولئك الذين حولوا بوصلة غضبهم من محتل يمارس عمدا عمليات الإبادة فى غزة نحو سفارات مصر والأردن بدلا من مواجهة من يقهرهم؟!ما دلالة تنامى العنف اللفظى والجسدى والتنمر على الآخر، التى كثيرا ما يمتد ليطال المتنمر نفسه؛ فيستمرئ تقليل شانه وجلد ذاته ؟!.

فى تقديرى الخاص أن المعامل الرئيسى فى كل ما نراه من أمور عبثية تخرج عن المنطق وعن الفطرة الإنسانية السليمة إنما يكمن فى هوية مأزومة؛ فقدت بوصلتها فباتت تقتات على انفعالات وتعصب وصفه الفيلسوف برتراند راسل  بأنه آفة العالم ؛ ذلك أن المتعصبين واثقون بأنفسهم ولا يراودهم الشك مطلقا فى صحة قناعاتهم !! فالتعصب فى أبسط تعريفاته هو الجمود على رأى أو فهم أو تأويل أو اعتقاد والدوران فى مدارات فكرية مغلقة لا تقبل المغايرة والمخالفة، الأمر الذى يؤدى لتنبنى الفرد لمواقف سلبية أو إيجابية مفرطة فى التعميم وتفتقر للأسانيد!!.

 ولقد تناولت عدة دراسات العلاقة بين التعصب وتأزم الهوية  (تاجفيل وترنر- كروكر- ويلز- أحمد زايد - هانى الجزار وغيرهم). ورغم تباين نتائج الدراسات إلا أنها تشير إلى أن الشعور بالاستعلاء أو المظلومية يدفع باتجاه التعصب ورفض الآخر ومحاولة إقصائه عبر سياقات نفسية، كالإسقاط أو الإحباط ، التى تؤدى بدورها للعنف وللازدراء والكراهية والتمييز والعدوان والتحيز والانتباه الانتقائى للمعلومات، وبالتبعية القولبة وتشوه الإدراك وتضخيم الفروق التى تدعم تقدير الذات والجماعة وتحط من الآخر. وفى صدد تناول بعض الدراسات للعلاقة بين التعصب وبين الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التى يتعرض لها من يتخذون التعصب منهجا، لم يستبعد الباحثون الاستعداد الفردى لممارسة التعصب ولا العوامل المساعدة؛ كالتنشئة الاجتماعية (جون دكت)، موضحين أن الأسرة والتعليم يهيئان المناخ لنمو بذرة التعصب عندما يبطلان ملكة التفكير والنقد!!.

تُرى هل فيما سبق ما قد يفسر أبعاد ظاهرة التنمر وتعاظم هستيريا رفض الآخر والاحتماء بالدوائر الضيقة والتعصب لها، أو ما يشى بإشكالية هوية مأزومة؟!


لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: