رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

روسيا فى مواجهة إنذارات ترامب

د. سامى عمارة
بوتين - ترامب

بعد فترة من المهادنة والانفتاح وسط أجواء سادها كثير من الود بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونظيره الروسى فلاديمير بوتين، منذ الإعلان عن فوز الرئيس الأمريكى فى نهاية العام الماضى، تحول ترامب ولأول مرة إلى التصعيد والوعيد، وإن اتسم ذلك بقدر من التردد والارتباك، بما جرى إطلاقه من تصريحات متناقضة.

فمن 24 ساعة كان حددها كمهلة زمنية، عاد ليعلنها خمسين يوما، سرعان ما تقلصت بشكل مفاجئ إلى 10-12 يوما كمهلة زمنية للتوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، مشيرا إلى أنه لم يسمع أى رد من نظيره الروسى على إنذاره السابق واصفا ذلك بأنه «أمر معيب». وفيما التزم بوتين خيار الصمت، تصدر دميترى ميدفيديف، الرئيس الروسى السابق ونائب مجلس الأمن القومى الحالى «المشهد السياسى» بما أصدره من تحذيرات من مغبة اتباع طريق السلف جو بايدن، واللجوء إلى الإسقاطات وإطلاق كنية «الجد» فى صيغة التدليل الروسية، على الرئيسين الأمريكيين السابق والحالي. وإذ وصف ميدفيديف إنذارات ترامب بأنها «خطوة نحو الحرب» بين روسيا والولايات المتحدة، وليس فقط مع أوكرانيا، مشيرًا إلى أن روسيا ليست «إسرائيل أو إيران»، ومُذَكرا بقدرات روسيا النووية، اختار ترامب ما هو أشبه بالمبارزات الكلامية فيما كتبه على منصة «تروث سوشيال»، ردا على تصريحات ميدفيديف التى وصفها بـ«الحمقاء والاستفزازية للغاية»، قائلا: «أمرت بنشر غواصتين نوويتين فى المناطق المناسبة، تحسبا لانطواء هذه التصريحات الغبية والتحريضية على ما هو أكثر من ذلك».

وتقول المصادر الغربية فى تقديراتها لمثل هذا القرار، إن ذلك يهدف فى حقيقة الأمر إلى استعراض القوة، لكنه لا يغير من واقع التوازن النووى القائم، «حيث كانت هذه الغواصات قادرة أصلاً على ضرب روسيا من مواقعها السابقة»، على حد تعبير المراقبين الغربيين، وذلك فضلا عما يقولونه حول أنهم يستبعدون أن يتحول التصعيد إلى حرب نووية فعلية، وإن كان يمكن اعتباره «تدهورا غير مسبوق فى العلاقات ويُدخِل العالم فى مرحلة «حرب نفسية نووية» تشبه أجواء أزمة كوبا 1962». وإذ توقف ترامب ليؤكد ما أصابه من «خيبة أمل» كبيرة، وأنه لم يعد مهتما بالحديث إلى نظيره الروسي، فإنه لم يقصر الأمر عند هذا الحد، ليتجاوزه إلى نقل عدد من القنابل النووية إلى بريطانيا، وذلك ما أثار موجة هائلة من ردود الفعل التى تباينت بقدر تباين مواقع مصادرها.

وفى هذا الصدد، نقلت وكالة أنباء «تاس» الرسمية الروسية ما نشرته صحيفة «ديلى تلجراف» البريطانية حول أن الرئيس الأمريكى «غيّر موقف القوات النووية لواشنطن تجاه روسيا بطريقة لم يجرؤ عليها أى من أسلافه». كما أشارت «تاس» إلى ما كتبه معلق الصحيفة البريطانية أدريان بلومفيلد حول أن ترامب يصعد سلم التصعيد النووى بإعلانه إعادة نشر الغواصات النووية الأمريكية، بزعم مواجهة تهديد من جانب روسيا الاتحادية». وبحسب قوله، فإنه وإذا قرر فلاديمير بوتين «الرد بالمثل، فقد تترتب على ذلك أزمة خطيرة». وفى الوقت نفسه، استبعد بلومفيلد أن ترد روسيا على تصرفات ترامب بطريقة مماثلة».

وننقل عن لويس بيج، الضابط المتقاعد فى البحرية البريطانية، ما نشرته صحيفة «ديلى تلجراف» حول « أن إعادة نشر الغواصات الأمريكية «بادرة تكاد تكون بلا معنى»، فضلا عما كتبه حول «أن ترامب كان يحاول ببساطة إظهار عدم خوفه من تصريحات نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمترى ميدفيديف». وإضافة إلى ذلك، نقلت وكالة «تاس» عن «نيويورك تايمز» ما نشرته حول «هذه اللحظة الاستثنائية، التاريخية، والمرعبة». وأضافت أنه حتى خلال الحرب الباردة، لم يُرسل أى رئيس أمريكى علنًا غواصات نووية باتجاه المياه الروسية. ولم يسبق لأى زعيم أمريكى أن تجرأ على مواجهة خطر حرب نووية»، وإن عادت لتقول إنه «نظرًا لأسلوب دونالد ترامب الخيالى فى الحكم، فإن قلة من الناس يشعرون بالذعر اليوم».

وأكدت الصحيفة الأمريكية: «إن هذه ليست أزمة صواريخ كوبية جديدة، ومع ذلك، فإن هذا لا يعنى أن تصرفات الرئيس الأمريكى ليست محفوفة بالمخاطر، لقد غيّر موقف القوات النووية لواشنطن تجاه روسيا بطريقة لم يجرؤ عليها أى من أسلافه، متسلقًا - بشكل عرضى تقريبًا - الدرجة الأولى من سلم التصعيد النووي».. لكن ماذا عن رد فعل الرئيس بوتين تجاه ما أعلنه نظيره ترامب من إنذارات وتهديدات؟ بداية وكعادته، لم يتعجل الرئيس بوتين الرد أو التعليق، بينما اكتفى الكرملين بما قاله دميترى بيسكوف، الناطق الرسمى باسم بوتين، حول أن روسيا «أُحيطت علما بما قاله الرئيس الأمريكي». وظل الأمر رهن الصمت والكتمان حتى حدد بوتين الزمان والمكان للإعلان عن موقفه. وكان ذلك فى مطلع الشهر الجارى فى جزيرة «فوالام» فى شمال غربى روسيا غير بعيد عن وطنه الأم سان بطرسبورج خلال زيارته لكنيستها المقدسة، برفقة حليفه وصديقه ألكسندر لوكاشينكو رئيس بيلاروس. وبمفردات «دبلوماسية» رفيعة المستوى، أفصح بوتين عن موقفه من كل ما قاله ترامب، دون الإشارة صراحة لا إلى الرئيس الأمريكى، أو إلى ما صدر عنه من وعيد وتهديد، وما أعرب عنه من «خيبة أمل كبيرة»، وإن قال بهذا الصدد: «أما بالنسبة لأى خيبات أمل من جانب أى شخص، فإن جميع خيبات الأمل تنشأ كما تعلمون وكقاعدة عامة، عن الإفراط فى التوقعات». وطرح فكرة «التحول بالموضوع إلى مفاوضات مفصلة وراء الأبواب المغلقة، وليس مناقشتها على الملأ فى الأماكن العامة». 

ونقلت وسائل الإعلام الروسية لأول مرة عن بوتين ما قاله حول أن كييف تعتقد أن الآن ليس الوقت المناسب للمفاوضات، وأن موسكو مستعدة للانتظار، على العكس من ترامب. ومع ذلك، وكما ذكرت وكالة «إنترفاكس»، علق رئيس روسيا على كلمات فولوديمير زيلينسكي، الذى ينقلون عنه ما قاله حول إنه لا فائدة من التفاوض الآن، ومن الضرورى الانتظار «عندما يتغير النظام» فى روسيا. وفى الوقت نفسه، وفى حديثه عن التسوية السلمية، قال إن هناك حاجة إلى السلام، لكن «على أسس أساسية جيدة ترضى كلا من روسيا وأوكرانيا، وتضمن أمن كلا البلدين». وفى «فوالام»، تناول بوتين أيضا الأوضاع على الجبهات العسكرية على ضوء البيان الصادر عن وزارة الدفاع الروسية حول الاستيلاء على مدينة تشاسوف يار، وهى مرتفع استراتيجى فى منطقة دونيتسك، يستمر القتال من أجلها منذ أبريل من العام الماضي. وكان زيلينسكى قد وصف بيان الجيش الروسى وعلى غير أساس بأنه «معلومات مضللة»، على الرغم مما أكدته المصادر الروسية بالصوت الصورة، وما قاله بوتين حول «أن القيادة السياسية العليا لأوكرانيا ليست على دراية كبيرة بمسار الأحداث التى تحدث».

وكان بوتين قد انتهز هذه الفرصة ليعلن عن الانتهاء من وضع صواريخ «أوريشنيك» متوسطة المدى التى سبق وأشار إلى أنها فريدة من نوعها ولا وجود لمثيلها لدى البلدان الغربية، قيد الإنتاج الدوري، وبدء نشرها ودخولها الخدمة العسكرية، فضلا عن إشارته إلى أن القوات الروسية تتقدم على طول خط التماس بأكمله. وما أن فرغ بوتين من تعليقه، حتى انبرى رئيس بيلاروس، ليدعو إلى إجراء المفاوضات، ودعا بالحاجة إلى الجلوس إلى طاولة المباحثات والاتفاق على أى مواقف.

وحذر رئيس بيلاروس من أن أوكرانيا قد لا تجد فى غضون شهر ونصف، ما تقاتل من أجله، بما فى ذلك حتى الهياكل الدفاعية المتبقية، وخلص لوكاشينكو إلى القول إنه إذا كان ترامب يريد السلام فى أوكرانيا، فيجب عليه الانضمام «بحرص» إلى التسوية، مشيرا إلى أنه لن ينجح فى مجرد إصدار التعليمات. وكان ترامب سبق وكشف عن أن مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف سوف يزور روسيا بعد الانتهاء من زيارته إلى إسرائيل. وهذه هى الزيارة الخامسة لويتكوف إلى روسيا، وتأتى فى توقيت سابق لانتهاء المهلة الزمنية التى حددها ترامب بـ10-12 يوما. أما عن التهديد بفرض عقوبات اقتصادية قاسية، وما لوّح به ترامب حول فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على واردات بلاده من روسيا، وكذلك على صادراتها إلى كل من الصين والهند والبرازيل، بوصفها الدول الرئيسية فى مجموعة «بريكس» التى أعلنها ترامب «مجموعة مناهضة للدولار الأمريكى»، فقد أشارت مطبوعة «ارجومينتى أى فاكتي» الأسبوعية إلى أن المفاوضات مع الصين أظهرت أنه من المتعذّر أن تحقق هذه القرارات هدفها، وتُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الروسي.

ونقلت الصحيفة عن وزير المالية الأمريكى سكوت بيسنت، ما قاله حول أن الصين، وهى أكبر مستورد للنفط الروسي، ستواصل شراءه رغم مطالب واشنطن. كما أن الرئيس ترامب قد يحاول إجبار بكين على تقديم تنازلات من خلال إغلاق السوق الأمريكية أمام السلع الصينية بإقرار رسوم جمركية وقائية. ومع ذلك، وفى هذه الحالة، سيتكرر الموقف الذى شاهدناه قبل شهرين، عندما اضطر الرئيس الأمريكى إلى إنهاء الحرب التجارية مع الصين التى أشعلها بنفسه، حيث انتفض المنتجون الأمريكيون معارضة واحتجاجاً، عندما علّقت الصين إمدادات عدد من المواد الأساسية، ردًا على سياسة ترامب «العدوانية». وإذا لم تمتثل الصين، فمن غير المرجح أن تقبل الهند، ثانى أكبر مستورد للنفط الروسي، بالخضوع لمطالب ترامب.

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق