حذارِ.. حذارِ.. يا حضرة الأستاذ، إنهم الآن يغافلونك، ويستغفلونك، ويشتغلونك، فيلخبطونك، ومن دون أن تدرى يعبثون بخرائط إدراكك، فيقلبونها رأسا على عقب، لتصبح أنت لست أنت، وإن نظرتَ فى المرآة تصرخ كما صرخ عبدالباسط حمودة: أنا مش عارفنى/ أنا مش أنا..! وكيف يفعلون ذلك؟.. بالذكاء الاصطناعى يا أذكى إخوتك، فلا يعود الأحمر أحمر، ولا الأخضر أخضر، ومن ثم تُصابُ بعمى الألوان العقلى، والفكرى، والأخلاقى. قُل بالله عليك، هل أم كلثوم التى عرفناها ونعرفها ، تلك المحترمة المهذبة المُحتشمة الرزينة الرصينة، هى أم كلثوم التى قدمها لنا الذكاء الاصنطاعى، تتقصع وتتلوى وتتمايل وهى تشدو، فكأنها فى ناد ليلى رخيص؟.. وهل عبدالوهاب هو عبدالوهاب؟ تريد مثالا آخر؟.. البريذيدنت ترامب.. ذاك الذى يهتز بكلمة منه العالم.. هل هو ترامب الذى رأيناه يرتدى الجلباب البلدى المشقوق عند الصدر، ويرقص بالعصا، ويلعب التحطيب، ولا أجدعها صعيدى، فيهزم المرشد الإيرانى خامنئى، بينما يتلصص عليهم بوتين من خلف باب موارب ساخرا من كليهما؟.. ستقول، نحن نعرف ذلك طبعا، وندرك أنه مجرد لعب بالفيديوهات، وستبتسم هازئا، ثم تهرع باحثا عن فيديو ثان وثالث ورابع، لتضحك وتستلقى على قفاك، ضاربا الدنيا ألف صَرمة..
إذن فاعلم يا صاحب العقل السديد أن المسألة ليست بهذه البساطة. إن ترامب، هذا الذى رأيتَه سيادتك يلعب التحطيب، كان ساعة انهماكك فى مشاهدة فيديو اللعب بالعصا، يأمر طائراته الشبح بى 2 بإلقاء متفجرات وزنها 200 طن فوق أُم رأس المنشآت النووية الإيرانية، فيدمر البرنامج النووى الإيرانى تدميرا.. وبالمناسبة فإن نيتانياهو، الذى قدّمه لنا الذكاء الاصطناعى كطفل يلطم ويبكى مرتديا «بامبرز»، ممسكا بذيل جلباب ترامب، كان بدوره يَدُكُّ بمقاتلاته (الأمريكية الصنع) محطات الماء والكهرباء والطاقة فى طهران دكّا، ويغتال العلماء. وقياسًا عليه، وبالخداع نفسه، وبالطريقة عينها، فإن الذكاء الاصطناعى سيتلاعب بعقلك، من خلال آلاف الصور والفيديوهات الملفقة، وبأخلاقك، وعقيدتك، وبتصورك عن أحوال بلدك الداخلية، فيحطم حرصك على الأمن القومى، ويُشوِّه صورة الوطن فى ذهنك.. وقد يجعلك (لا سمح الله) تكره هذا الوطن. هل تعرف ما الذى سيحدث لك إن أنت كرهت وطنك؟.. إنك حينها ستسعى بدون أن تشعر إلى تدميره ومحوه من الخريطة، وآنئذ سلِّم لى على غزة والسويداء وصنعاء والخرطوم..! طيب.. والنتيجة النهائية ماذا ستكون؟... ستكون يا حضرة الفاضل أن خرائط مدركاتنا، وبدهيات فهمنا الحياة، وقاعدة البيانات بالذاكرة، سيتم تهشيمها تهشيما، ونسفها نسفا، مما سينتج عنه تلقائيا تحطيم شخصيتك، ومبادئك، وضميرك، وإرادتك، ومنظومة قيمك الأساسية، فيصير الحرام حلالا والحلال حراما، وتُنتهكُ الحُرُمات، ويُسرَق منا كاتالوج مكارم الأخلاق.. وحينئذٍ يفقد الواحد منا إنسانيته، فيصبح هو وصرصار كافكا، فى رائعته الأدبية (المسخ).. سواء! يااااه.. صرصار كِده خبط لزق؟.. آه خبط لزق.. وإلا فلتسأل روحك، أين راحت إنسانية البشر الذين يحملقون بأعينهم ليل نهار فى الشاشات، فيرون أطفالا يُذَبّحون تذبيحا فى القطاع؟ طيب.. وما الحل أمام مصيدة خداع الذكاء الاصطناعى تلك؟.. بسيطة، لا تصدق بعقلك كل ما تراه عيناك على الشاشة.. وقاوِم بكل السبل محاولات حذف و(تدليت) محتويات ذاكرتك، حيث الذاكرة هى الوطن، واسترجع كلمات رام ، وشدو سِت الكُل، كوكب الشرق: كيف أنسى ذكرياتى/ وهى أحلام حياتى/ إنها قصة حبى.. إنها قصة حبى.
لمزيد من مقالات سمير الشحات رابط دائم: