موعد ظهور نتيجة الثانوية العامة حالة طوارئ تعيشها الأسرة المصرية، ما بين فرحة المتفوقين وخيبة أمل الآباء والأمهات عند تحقيق الأبناء درجات أقل مما يتوقعون، وفى بعض الأحيان يصل الأمر إلى درجة خطيرة فيخاف الطالب من مواجهة أهله، فيؤذى نفسه لشدة خوفه من مواجهتهم وعدم قدرته على احتمال اللوم والتوبيخ.
وللأسف فإن البعض من الآباء والأمهات يتعاملون مع نتيجة الثانوية العامة على أنها التقييم الأخير لأبنائهم ولطريقتهم فى التربية والدليل على نجاحهم، فى حين أن الطالب يكون فى أمس الحاجة لدعم عائلته، للتعامل مع القلق والتوتر السابق للنتيجة والتالى لها، ومساعدته فى تحديد مستقبله وتحديد خطوته التالية.
ولذلك تؤكد رانية حسين، أمين الكاتبة والإخصائية النفسية، ضرورة احتضان الأهل للأبناء فى كل الأحوال سواء حققوا التفوق أو أخفقوا أو حصلوا على درجات سيئة، فالأسرة التى تفعل ذلك، تزرع داخل الابن الاعتماد على الذات وقبول الحياة ومساعدته على اكتساب الثقة بالنفس وتحقيق النجاح مستقبلا واكتساب مهارة ثقافة إدارة الفشل، التى لا تعنى التهوين من الأمر أو إنكار الألم والحزن والغضب، وإنما تعنى تعليم الأبناء أن الفشل مرحلة مؤقتة فى الحياة ونور يضىء المرحلة القادمة، ولذا هناك خطوات لدعم وتشجيع الطالب لتحقيق النجاح.. حينما يحصل الطالب على درجات منخفضة فى امتحاناته أو يتعرض للرسوب فى الثانوية العامة فإن ذلك لا ينبغى أن يعتبر نهاية الطريق بل ينبغى أن ينظر إليه باعتباره جرس إنذار يدعو إلى إعادة النظر فى أساليب المذاكرة التى كان يتبعها لا من منطلق اللوم أو الإحباط بل من باب الفهم والتطوير، إذ إن الفشل فى حد ذاته لا يدل بالضرورة على ضعف فى الذكاء أو قصور فى القدرات، ربما قد يكون نتيجة لتراكمات نفسية طويلة المدى، مثل الضغط النفسى المستمر أو غياب الدعم الأسرى أو ضعف الثقة بالذات أو حتى استخدام أساليب تعليم لا تتناسب مع طبيعة الطالب وحاجاته الفعلية وهنا تكون نقطة البداية الحقيقية هى أن يفهم الطالب نفسه جيدا ويعيد ترتيب أولوياته ويطور أدواته فى الاستذكار والتفكير.
وتضيف أن هناك بعض الأمهات والآباء بمجرد معرفة درجات المجموع ينسون كل مجهود الطالب وإمكانياته التحصيلية ومستواه الدراسى على مدى السنوات الدراسية ويبدءون بكلمات لتفريغ طاقة غضبهم على الطالب بقول: «ضيعنا عمرنا علشانك خذلتنا»، وما يحدث هنا تحطيم كامل لمعنوياته خصوصا اذا كان أولياء الأمور لا يمتلكون القدرة على امتصاص الشحنة السلبية والحزن لدى الطالب بكلمات بسيطة مثال «ولا يهمك» لأن ذلك يرفع الروح المعنوية للطالب ولا يمكن تجاهل ثقافة «المرونة النفسية» وهى قدرة المراهق على مواجهة الصدمات والتعافى منها واكتساب المرونة من خلال تجارب الحياة.
كما أن بعض أولياء الأمور يعتبرون النتيجة تقييما لهم وأن أبناءهم مشروعهم الخاص لتأكيد أنهم «عرفوا يربوا» ونسوا أن التربية ليست نتيجة الثانوية العامة أو الالتحاق بإحدى كليات القمة ولذا يفضل الاستماع إلى الطالب دون مقاطعة أو مقارنته بغيره ويجب على أولياء الأمور اللجوء إلى المساندة والدعم لابنهما الطالب فى الثانوية العامة الذى لم يحصل على الدرجات المتوقعة من خلال الحوار الإيجابى ومساعدته فى اكتشاف شغفه وميوله وقدراته والتركيز على طمأنته طوال الوقت ان الأمر بيد الله وأن النجاح والفشل هما سنة الحياة ومساعدته على تحويل الفشل أو الدرجات السيئة الى نجاح، أما بالنسبة للطلاب المتفوقين فيجب أن يكون هناك تعبير عن الفرحة دون إفراط، حتى لا يصاب الطالب بالتعالى والغرور والتكبر، متجاهلا مجهود الأسرة فى تحقيق التفوق ولذا على الأسرة تعزيز ثقافة الامتنان والشكر لكل من كانوا السبب فى التفوق والاعتماد على اختيار الكلية بناء على قدراته وامكاناته.
وتنصح الاخصائية النفسية أولياء الأمور بمساعدة ابنهم لفهم قدراته وميوله وامكاناته وان يبدأ التعامل معها بحيادية وأن يلتحق بما يتماشى مع ذلك ويتصالح مع الكلية أو المعهد الذى سيلتحق به، وتغيير وجهة النظر أن الثانوية العامة هى التى تحدد مستقبل الابن ومصيره ولكن الأصح ان امكاناته وقدراته وميوله هى التى تحدد مستقبله. ولابد أن يشعر بأنه ليس وحده وأن أباه وأمه يؤمنان بقدرته على النهوض من جديد وأن الفشل لا يلغيه أو يقلل من قيمته بل هو جزء من التجربة الإنسانية التى يمر بها الجميع، وهنا يجب أن تتغير لغة الحوار داخل الأسرة فبدلا من السؤال عن النتيجة ينبغى أن يكون السؤال عن شعور الطالب واحتياجاته الحقيقية وبدلا من العبارات السلبية مثل «خيبت ظننا أو ماذا سنقول الناس» يجب أن نقول كلمات مثل «نحن نثق بك، وما حدث قد حدث؟» فلنبدأ من جديد.
ويوضح د.حسن شحاتة أستاذ المناهج ــ كلية التربية جامعة عين شمس ــ أن الأسرة لها دور كبير وخطير ويجب أن تكون مصدر أمان، ويكون لدى الطالب ثقة فى أن أسرته ستتقبله فى كل الأحوال وليس لأنه حصل على درجات عالية، حيث تلعب الأسرة دورا مهما فى مساعدة الطالب على تجاوز هذه المرحلة الدقيقة من حياته، فبدلا من التوبيخ واللوم والمقارنة، عليهما أن يكونا مصدر أمان واحتواء، ويجب أن يتوافر للطالب هذا النوع من الدعم ليستعيد ثقته بنفسه ويبدأ فى النظر إلى الأمر على أنه تجربة يمكن تجاوزها لا نهاية مأساوية كما يهيئه ذلك لمواجهة الحياة بمزيد من النضج والمرونة لأنه تعلم أن السقوط لا يعنى الفشل، إنما فرصة لإعادة التقييم وأن النجاح ليس مقتصرا على ورقة امتحان أو مجموع درجات بل هو فى فهم الذات وتطوير المهارات والتقدم بخطوات ثابتة نحو هدف واضح.
رابط دائم: