رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اعترف بتأثيرهم في تكوينه المعرفى..
المستشرقون والعميد بصمات لا تمحى

سهير عبدالحميد
‎ماسينيون ونيللينو وليتمان ضمن أعضاء هيئة التدريس بالجامعه المصرية 1913

  • تأثر كثيرا بجويدى الإيطالى الآخر المتخصص فى اللغات الشرقية
  • انتقادات كثيرة .. واحتفاء نادر
  • «ماسينيون» عرفه على دور الفلسفة الإسلامية في نقل الفكر الإغريقي إلى أوروبا
  • « نيللينو» شكل رؤية طه حسين حول الشعر الجاهلى
  • «شارل بلا» رشحه لنيل جائزة نوبل للآداب

لا يمكن إنكار ذلك الوهج الفكري الذي اتسم به د. طه حسين مهما اختلف البعض أو اتفق حول رؤاه بعضها أو جميعها ؛ فقد كان العميد ناقدًا ومفكرًا يمتلك سلامة المنطق وجرأة الطرح وسلاسة العرض . لم يأت هذا الوهج بمحض الصدفة لكنها الفطرة التي اتسمت بالنهم للتعلم ورفض الثوابت والتمرد على الجمود والتي تغذت على أفكار زمرة من الأساتذة من الشرق والغرب ؛ ومن كل فريق نهل طه ما نهله من علم ومعرفة، وقد قال طه حسين إن ما أثر في تكوينه المعرفي المحاضرات الصباحية للشيخ المصرفي والمحاضرات المسائية لكارل الفونسو الذي قال إن من بين أسباب انبهاره به أنه كان يدرس الشعر الجاهلي والأدب العربي باللغة العربية الفصحي وبمنهج غربي حديث


وبين أساتذة العميد تبقى علاقته بالمستشرقين الذين درسوا له في الجامعة المصرية الأكثر تميزًا؛ ربما لأن طه كان لديه شغف التعرف على الآخر وربما لأن انفتاحه على الثقافة الفرنسية والذي عضده زواجه بفرنسية هوما ولد لديه المزيد من الرغبة في قراءة ثقافات الآخرين .وهكذا أخذ الفلسفة من الفرنسي ماسينيون والأدب الفرنسي من ليتمان واللغات السامية القديمة عن ليتمان ، التاريخ والجغرافيا من جويدي.


نيللينو


أما الإيطالي كارلو نيللينو «1872- 1938» فقد امتدت علاقة طه حسين به طويلا وبعد وفاة نيللينو اهتم العميد بابنة أستاذه أكاديميا إلى ان بدأت الحكاية حين استقدمت الجامعة المصرية ذلك الشاب الإيطالي ليدرس تاريخ علم الفلك عند العرب وكان مستعربًا نادر المثال طاف بالعديد من الدول العربية فحاضر فيها أو درس أو قرأت مؤلفاته خصوصا أنه كان يجيد اللغة العربية إجادة تامة إضافة إلى دراسته السريانية والعبرية وكانت له مقالات مهمة عن الأبحاث الفلكية والجغرافية عند العرب . وفي عام 1909 بدأ يدرس في الجامعة المصرية وحتى عام 1913 وكانت له أبحاث مهمة عن علم الفلك لا عند العرب فقط ولكن عند الأقدمين والمحدثين فدرس ما كان يعرفه عرب الجاهلية عن السماء والنجوم وحساب النسىء ومنازل القمر ومبادئ الفلك عند الأمة الإسلامية وما كان من تأثير علم الفرس فيهم وما ورثوه عن اليونان والهنود وتعريبهم لكتبهم وكان لنيللينو مقالات في الأدب واللغة العربية انتهى فيها إلى أن اللغة العربية الفصحى هى بلا شك لغة الشعر الجاهلي المدون في كتب السلف ونفى زعم الكثيرين أن قريشا كانت أفصح العرب إذ رأى أنه لو صح هذا الزعم لأخذ الرواة والنحاة الشعر والنحو عن قريش وأهملوا عرب البادية ولو كان التنزيل بلغة قريش لاعتمد الشراح على أهل مكة في تفسير ما استغلق من غريب القرآن .وقد بلغت من شهرة نيللينو أنه انتخب في الجمعية الملكية الآسيوية في لندن والجمعية الألمانية والجمعية الملكية المصرية .

ولا شك فى أن أفكار نيللينو شكلت رؤية طه حسين للأدب والتاريخ حتى إنه اعتنق أفكار أستاذه حول الشعر الجاهلي وأبدى إعجابه بقدرته على اكتشاف ما سماه بطرق الوصول إلى حقائق الكنوز الدفينة في الثقافة العربية .

وقد ذكره طه حسين في «الأيام» : « ولم ينس الفتى يوما قرر فيه الطلاب أن يضربوا عن درس الأستاذ نيللينو الإيطالي لأن إيطاليا أعلنت الحرب على تركيا وأرسلت سفنها غازية طرابلس فأزمع الطلاب أن يجتمعوا في غرفة الدرس حتى إذا أقبل الأستاذ وارتقى إلى مجلسه خرجوا من الغرفة وتركوه فيها وحيدا وقد أتم الطلبة ما قرروا فتركوا الأستاذ وحيدا في غرفة الدرس ووقفوا أمام الغرفة ينتظرون ما يكون من أمره ولبث الأستاذ في الغرفة دقائق ثم خرج فأقبل عليه تلاميذه فقال لهم في لهجة عربية صحيحة فصيحة يلتوي بها لسانه بعض الشىء : مثلكم مثل الرجل الذي أراد أن يغيظ امرأته فخصى نفسه وكان السهم صائبا وكان أثره لاذعا ممضا» .وفي موضع آخر يؤكد العميد كيف كان نيللينو متبحرا في الأدب العربي :

«كان على دراية كاملة بالموضوع عندئذ بدأت وبصحبة نيللينو دراسة الأدب العربي. إن نيللينو هو الذي علمنا ما هو تاريخ الأدب وكيف نقيم الأسلوب ونصف المدرسة الأدبية أو المؤلف ، وتأثر طه حسين بمنهج ناللينو في امتحان آراء السلف واختيار ما يسعنا من تجاربهم ومعارفهم بدقة ، وآثار التساؤلات حول الشعر الجاهلي أكانت لغة واحدة وكيف تكونت وعلى أي نحو وصلتنا».

على هدي والدها سارت ماريا نيللينو التي تخرجت في جامعة روما ؛ فقد أعدت رسالتها للماجستير عن الصحابي النابغة الجعدي واهتمت بالشعر الجاهلي ثم قامت بجمع محاضرات والدها التي ألقاها بالجامعة المصرية في كتاب مطبوع بالعربية صدر 1955بعنوان « تاريخ الآداب العربية من الجاهلية حتى عصر بني أمية « وقدم له طه حسين مبينا ومؤكدا امتنانه لأستاذه ويمتدح أسلوبه في التدريس «فهو في محاضراته عن تاريخ الأدب العربي خرج عن المألوف فلم يدرس الأدباء تبعًا لترتيب الحروف الأولى من أسمائهم كما جرت عادة الأزهريين والقدماء نسق تاريخهم وقسمه لما طرأ على علم الأدب من تطورات جوهرية في عصوره الجاهلي والمخضرم والأموي والعباسي ودرس الخاصية الأدبية والفنية لكل حقبة «وفي مقدمة الكتاب توجهت ماريا نيللينو بالشكر لطه حسين « لإرادته أن يؤسس ذكرى المحبة الخالصة بينه وبين الراحل نيللينو بنشر هذا النص غير المطبوع حتى الآن».


‎ماسينيون


ماسينيون

في عام 1908 تعرض الشاب الفرنسي لويس ماسينيون «1883-1962» للاعتقال على يد السلطات العثمانية التي اتهمته بالجاسوسية وسجن فجاءته رؤيا « رأيت نارا داخلية تحاكمني وتحرق قلبي وكأنني أمام حضور إلهي لا يمكن التعبير عنه ، حضور خلاق يوقف إدانتي بصلوات أشخاص غير مرئيين زوار لسجني التمعت أسماؤهم في مخيلتي فجأة « بعد هذه الرؤيا قرر ماسينيون التبحر في دراسة الإسلام والتصوف وأخذته شخصية الحلاج حتى إنه زار قبره حبا وتقديرا .كان ماسينيون عضوا في معهد الآثار الشرقية بالقاهرة حين دعاه الملك فؤاد للتدريس في الجامعة المصرية .ومن خلال محاضراته تعرف طه حسين على الفلسفة الإسلامية وعلاقتها بنظيرتها اليونانية وتعرف على دور الوساطة التي لعبتها الفلسفة الإسلامية باليونان القديم وأوروبا ومن بين صفوف طلاب الجامعة المصرية انتبه ماسينيون إلى طه حسين وذكر اسمه في تقرير كان قد قدمه للسلطات الفرنسية حول اتجاهات الأفكار الفلسفية في البلاد الناطقة بالعربية مبينا عبقرية طه وتفرده بل لقد وصف طه حسين بقوله «بضاعتنا ردت إلينا « تلميحا إلى دور الثقافة الفرنسية في تشكيل وعي طه منذ بعثته الجامعة المصرية إلى فرنسا 1914 لاستكمال دراساته هناك ولا يخفى على أحد تأثر طه بطرق التدريس في فرنسا وتوجيهه الانتقادات إلى طرق التعليم التقليدية في مصر .

وقد اهتم ماسينيون بطه ليس فقط على المستوى الأكاديمي بل أيضا على المستوى الشخصي ؛ ففي أعقاب الأزمة التي تعرض لها بعد فصله من الجامعة وتضييق السراي الخناق عليه فعرض عليه ماسينيون وظيفة في إحدى الجامعات الأمريكية لكنه رفض «إننى أستاذ معزول وعالم ممنوع من العمل ومن واجبي ألا أشتغل في السياسة وإنما أن أؤلف الكتب وأسعى وراء الرزق « .وامتد اهتمام ماسينيون بطه إلى ابنه مؤنس أثناء دراسته بباريس .وقد أكدت سوزان طه حسين في مذكرتها التي جاءت بعنوان «معك» أن زوجها ربطته صداقة قوية بماسينيون.

اهتم طه أيضا بما اهتم به أستاذه ماسينيون من الحوار بين المسيحية والإسلام ورأى أن التصوف في الديانتين هو تعبير عن الإيمان العميق. وكتب طه حسين عن محاضرة سمعها من المستشرق ماسينيون عن أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، وتحدث عن ضرورة أن يتعلم علماء الدين العرب المسلمون لغات الأمم التي تدين بالإسلام.

جويدي

رغم افتنان طه حسين بالثقافة الفرنسية فإن إيطاليا آخر بخلاف نيللينو قد ترك بصمته في حياة العميد .هذا الإيطالي هو إجناتيوس جويدي «1844 - 1935» والذي تخصص في اللغات الشرقية ومنها العربية والحبشية والسريانية والعبرية وقام بعمل فهارس لمؤلفات مهمة منها كتاب الأغاني للأصفهاني وفي عامي 1908 و1909 قام بتدريس التاريخ والجغرافيا في الجامعة المصرية وكانت له دروس في الأدب العربي وفقه اللغات العربية الجنوبية وقد كان متقنا للغة العربية ويحسن الكتابة بها نثرا ونظما، وله دراسة حول فروق القراءة بين مخطوطات كليلة ودمنة وتلك الموجودة في الفاتيكان ودرس النحو العربي وعلاقته بالنحو اليوناني ،كما أعد دراسة عن ترجمة الأناجيل إلى العربية والحبشية، وترجم جزءا من كتاب السنسكر الخاص بسيرالقديسين والشهداء في المسيحية .كما اهتم بالنقوش العبرية والنبطية والفينيقية ولغة أهل الجزيرة العربية.

شارل بلا

شارل بلا

المستشرق الفرنسي شارل بلا«1914 - 1992» أستاذ الفلسفة الإسلامية الذي رشح طه حسين لنيل جائزة نوبل ، كان ممن أعجبوا بالشعر العربي ثم توقف طويلا عند الشاعر العباسي الشهير الجاحظ الذي مدح نفسه قائلا « أنا رجل من بني كنانة ، وللخلافة قرابة، ولي فيها شفاعة ، وهم بعد جنس وعصبة «. وبعد قرون يأتي الفرنسي بلا ليقدم مجموعة من الدراسات حول الجاحظ ومنها : الإمامة في مذهب الجاحظ ، الجاحظ والهند، النصرانية في نظر الجاحظ . ثم كانت له مؤلفات مهمة حول تاريخ العرب منها كتابه نصوص عربية متعلقة بحساب العقد وهو الحساب الذي كان يستخدم خصوصا من طرف تجار اللؤلؤ في الخليج العربي في تعاملهم مع زبائنهم وشرح كيف يضع التجار والزبائن أيديهم تحت الرماد ويتفاهمون حول الثمن المتفق عليه بالضغط على اليدين خلافا للتجار في باريس .

وكأستاذه اهتم طه بالجاحظ وكتب عنه مرارا مبينا أن الجاحظ كان أديبا لأنه كان مثقفا قبل أن يكون لغويا أو بيانيا وكان يتقن فلسفة اليونان وعلومهم وسياسة الفرس وحكمة الهنود وكان على علم بالتاريخ وتقويم البلدان وأنه لو عاش في هذا العصر لحاول إتقان الفلسفة الألمانية والفرنسية . وقد ذكر العميد أنه تعلم من الجاحظ وقرأ كتبه: البيان والتبيين ،الحيوان ، رسائل الجاحظ.


د. طه حسين


تعرض د. طه حسين للعديد من الانتقادات بسبب علاقته بالمستشرقين تلميذا ثم أستاذا لفئة منهم، حيث كان من تلامذته المقربين المستشرق اليهودي إسرائيل ولفنستون «1899 ـ 1980»، وهو الباحث والمؤرخ اليهودي، والتلميذ الأشهر للدكتور طه حسين، وكان إسرائيل أول طالب يهودي يحصل على الدكتوراة من الجامعة المصرية . ينتمى لأسرة يهودية أشكينازية، من مواليد حي مئة شعريم في القدس، لعائلة جاءت من روسيا البيضاء. كانت له العديد من المؤلفات، منها تاريخ اليهود في بلاد العرب 1927 التي كانت رسالته للدكتوراة التي أشرف عليها د. طه حسين وكتب في تقديمه لها مثنيا على الموضوع الذي تناوله تلميذه وخطورته، لأن تاريخ اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام لم يكن معروفا على وجهه «فليس من شك أن المستعمرات اليهودية قد أثرت تأثيرا قويا في الحياة العقلية والأدبية للجاهليين من أهل الحجاز».

وقد زاد من حدة الهجوم على طه حسين اعترافه بتأثير المستشرقين عليه في سيرته الذاتية، فالمستشرقون «ملكوا عليه أمره واستأثروا بهواه، وبذا خرج من حياته الأولى خروجا يوشك أن يكون تاما لولا أنه كان يعيش بين زملائه الأزهريين والمدرعمين وطلاب مدرسة القضاء وجه النهار وشطرا من الليل، لكن عقله قد نأى عن بيئته هذه نأيا تاما واتصل بأساتذته أولئك اتصالا تاما».

من جانب آخر، تعرض طه حسين للانتقاد لعلاقته بالمستشرق لويس ماسينيون الذي قالها صراحة «إن هؤلاء الطلاب المسلمين الذين يصلون إلى فرنسا يجب أن يصاغوا صياغة غربية خالصة حتى يكونوا أعوانًا لنا في بلادهم». وهو ما يأتي مطابقا لوصفه طه حسين «بضاعتنا ردت إلينا».

كما انتقد عدد من الباحثين العميد لما كتبه عن الشعر الجاهلي ورأوا أن آراءه جاءت مجرد صدى لعدد من المستشرقين حتى وصف المفكر محمود شاكر كتاب طه حسين بأنه مجرد حاشية على بحث المستشرق «مرجيلوث» وهو المستشرق الإنجليزي الذي وصف بالتعصب ضد المسلمين وعاب عليه البعض ما وضعه في كتابه الشهير «محمد ونشأة الإسلام» من معلومات مضللة، لكن هذا لا يمنع احتفاء عدد من النقاد ببحث مرجليوث ومنهم عبد الرحمن بدوي الذي أكد أن صمويل مرجليوث خطا خطوة جبارة على طريق البحث حين استغل نتائج النقوش الحميرية والعربية الجنوبية وركز خصوصا على الدوافع الدينية في انتحال الشعر الجاهلي والتغيير في روايته زيادة أو نقصا أو تحريفا .

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق