رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

مصر بين الثابت والمتغير

يقع كثير من خبراء علم السياسة فى خطأ شائع حين ينتقدون فى تسرع بعض التغيرات الفكرية والتحولات السياسية التى تطرأ على مواقف الدول وفقًا لتغيير بوصلة مصالحها ويتناسون أن الكون بطبيعته - رغم ثبات ظواهره - متغير أيضًا لا يتميز بالجمود أو الثبات المطلق، فالمصالح متغيرة حتى ولو ظلت المبادئ ثابتة، ولقد عملت دبلوماسيًا فى الهند منذ قرابة خمسة عقود, وكانت الهند وقتها دولة متعاطفة مع الشعب الفلسطينى وقضيته العادلة، بل أتذكر أننى كتبت مقالاً فى مجلة السياسة الدولية فى ثمانينيات القرن الماضى تحدثت فيه عن احتمالات التقارب بين الهند وإسرائيل لأننى كنت أشتم بوادر لذلك حتى عندما كانت أنديرا غاندى رئيسة للوزراء وهى ابنة جواهر لال نهرو والمعروفة كأبيها بالصداقة مع مصر والتفهم العادل للحقوق الفلسطينية حتى إنها كانت تعادى الرئيس الراحل السادات تقربًا للتشدد العربى, ودعمًا للموقف الفلسطينى فى ذلك الوقت حتى دخلت العلاقات المصرية ـ الهندية فى حالة فتور لعدة عقود بعد مضى مصر فى سياسات كامب ديفيد وتوابعها.

ولكن تحولاً جذريًا طرأ على السياسة الخارجية الهندية جعلها تقترب من الولايات المتحدة الأمريكية وتتجه نحو إسرائيل بالتعاون المشترك, خاصة فى مجالات التسليح والتدريب العسكرى فضلاً عن تكنولوجيا تصنيع السلاح بل الشراكة فى التعاون النووى بين البلدين، أقول ذلك الآن وأنا أضع يدى على التغيرات الكبرى فى السياسة الخارجية الهندية عبر العقود الأربعة منذ انتهى عملى الدبلوماسى فى نيودلهى، حيث برزت ملامح مرحلة جديدة للدور الهندى آسيويًا ودوليًا وعلاقاته بالقوى العظمى فى العالم المعاصر مع تبنى نيودلهى لسياسات تختلف أحيانًا بشكل جذرى عما كانت عليه منذ عدة عقود، ولاضير فى ذلك ولا عيب، فالسياسة لابد أن تتميز بالحيوية والقدرة على التغيير والمواءمة مع الظروف الجديدة، فلا توجد فى السياسات ثوابت، ولكن توجد فيها مصالح مشتركة تتسم بالحيوية والقدرة على التقاط الفرص فى كل الأوقات.

ومصر دولة محورية مركزية كبيرة بعدد سكانها وموقعها الجغرافى وثرائها التاريخى وتراثها الحضارى ورصيدها الفكرى, فضلاً عن موقعها الاستراتيجى الحاكم على الناصية الإفريقية الآسيوية قبالة السواحل الأوروبية، ومن حقها بلاشك أن تتحدث عن ذاتية وضعها, لأن لها أفضالاً على كثيرٍ من أصدقائها وجيرانها بعد أشقائها، وإسرائيل التى تعربد فى المنطقة بدعم أمريكى مطلق تضع مصر فى موقع الخصومة المستترة تالية لإيران وتركيا، فالقوى الإقليمية الثلاث تمثل هاجسًا لإسرائيل.

وقد لاحظنا التحرش الإسرائيلى غير المباشر بمصر نتيجة القلق من جيشها الباسل واستعداداته القوية وتسليحه العصرى، وأنا من أشد مؤيدى السلام العادل بين العرب وإسرائيل، وأعتبر أن الجبهة المصرية الإسرائيلية هى ركيزة ذلك السلام ومؤشراته الكبرى وعلامته الواضحة، فهى بحق عمود الخيمة كما يقول العرب، ولذلك يكون من حقها تلقائيًا أن تعيد النظر فى كثير من ارتباطاتها وأن تتأمل ثوابت سياساتها، فالدنيا تتغير والعالم يتحول، ولابد لمصر من استعادة دورها الحيوى فى المنطقة فور تمكنها من التعافى باقتصادها الوطنى ووقوفها إلى جانب القضايا الشريفة لدول المنطقة.

مصر قائدة فى الحرب ورائدة فى السلام الذى تنحاز إليه بحكم أدوارها التاريخية التى لا تخفى على أحد، ومسيرتها الحضارية التى يدركها الجميع.، وهنا لابد أن نتذكر أن مصر دفعت أغلى الفواتير ليس دفاعًا عن أمنها واستقرارها وحده، ولكن دفاعًا عن أمن أشقائها واستقرارهم كذلك، وحرصت دائمًا على أن تكون درعًا وسيفًا لأمتها العربية وجوارها الإقليمى رغم كل ما تكبدته من خسائر فى الحروب وتضحيات جسام، ولكنها لم تتردد أبدًا فى تقديمها، بل إن مصر لقيت أحيانًا (جزاء سنمار) حيث كان رد الفعل غالبًا لا يتناسب مع ما فعلته وقدمته طوال السنوات ولا يتوافق مع ما قامت به الكنانة.

ولاشك أن الفلاح المصرى البسيط حارس التاريخ وحامى الحضارات لم يشعر أبدًا أنه يقدم لأشقائه وأصدقائه ما يستحقون أو ما لا يستحقون، ولكنه كان يكتفى دائمًا بالشعور المتأصل بالواجب الوطنى والالتزام القومى محترمًا الديانات مندمجًا فى الثقافات دون أطماع أو مزايدة، لذلك حانت لحظة المراجعة لكل ما لدينا وكل ما علينا، خصوصًا أن آفة أمتنا هى النسيان كما كانت آفة حارتنا النسيان أيضًا على حد التعبير الشهير لكبير الأدب العربى الروائى الراحل نجيب محفوظ!.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: