رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

المرأة المصرية ومواجهة الإخوان

قرن أو بعض قرن، خاضت النساء المصريات، ومعهن رجال آمنوا باستحقاقهن كثيرا من الحقوق التى حظى بها الرجال، معارك عديدة فى سبيل كسب التأييد من المجتمع الأبوى، الذى حرمهن من حقوقهن المشروعة، التى نصت عليها الشرائع الدينية، والمبادئ الإنسانية، والحقائق التاريخية، وأخيرًا المواثيق الدولية التى تؤكد أهمية أدوارهن. وقد استطاعت النساء على مدار ذلك التاريخ تحقيق إنجازات كبيرة، خاصةً بعد أن وقّعت مصر وصدقت على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، التى نصت على منح النساء جميع حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أسوة بالرجال.

وفى لحظة تاريخية لا تنسى، جاءت جماعة نصّبت نفسها حكمًا، لا على النساء فحسب، بل وعلى المجتمع برمته، وسعت إلى سرقة الوطن وأخونته، والعمل على إجهاض كل الإنجازات والمكاسب التى حققتها النساء عبر هذا التاريخ الطويل. ولا أدل على ذلك من رفض الجماعة، بعد وصولها إلى الحكم، الموافقة على وثيقة مكافحة العنف ضد المرأة فى الدورة السابعة والخمسين للجنة وضعية المرأة فى الأمم المتحدة، التى حضرتها السفيرة مرفت التلاوى رئيسة المجلس القومى للمرأة آنذاك، ومساعدة رئيس الجمهورية للشئون السياسية باكينام الشرقاوى، التى أعلنت رفضها التام للوثيقة بدعوى أنها ضد القيم الدينية والثقافية ومخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية. ناهيك عن تدخل حزب الحرية والعدالة فى شئون المجلس القومى للمرأة، وسعى بعض أعضاء الجماعة ـ الذين تولوا مناصب التشريع بمجلس النواب ـ إلى التقدم بمشروعات قوانين من شأنها أن تعود بالنساء إلى حيث بدأن. وهنا لابد من الإشارة إلى الازدواجية التى انتهجتها الجماعة تجاه المرأة، فقد أنشأت الجماعة «قسم الأخوات» عقب تأسيسها، لا إيمانًا منها بحقوق النساء أو تعبيرًا عن أيديولوجية حقيقية تجاهها، بل من أجل استخدامهن وتوظيفهن فى الحشد والتأييد للجماعة من ناحية، وفى الصراع مع الدولة والمجتمع من ناحية أخرى.

إن نساء الإخوان كُن مجرد أدوات سياسية تم استخدامها فى أوقات الأزمات لأداء أدوار لم يتمكن رجال الجماعة القيام بها. وعقب أحداث 2011 كانت مشاركة الأخوات مشاركة حركية وتنظيمية للحشد من أجل صعود الإخوان. استمر هذا الدور حتى بعد الصعود للحكم لكسب المزيد من التأييد للجماعة وسياستها. وحتى فى الفترة التى أعقبت السقوط، فقد استُخدمن فى التظاهرات والاعتصامات، وارتكاب صور من العنف ضد كل من لا ينتمى للجماعة.

وعلى الجانب الآخر، خرجت جموع النساء المصريات الوطنيات للدفاع عن الوطن وضد حكم جماعة أرادت احتلاله، ولم يكن خروج هؤلاء النساء المصريات الوطنيات الأول، فلقد كان الخروج الأعظم فى ثورة 1919، الخروج الذى لم يكن معه السياق الاجتماعى مواتيا، لا اجتماعيًا ولا سياسيًا، خرجن لمواجهة قوات الاحتلال وللمطالبة بالاستقلال التام. وقد وصف شاعر النيل حافظ إبراهيم هذا الخروج فى قصيدة رائعة:

خرج الغوانى يحتججن...

ورحت أرقب جمعهنه

فإذا بهن تَخذن من...

سود الثياب شعارهنه

فطلعن مثل كواكب...

يسطعن فى وسط الدجنه

وأخذن يجتزن الطريق...

ودار سعد قصدهنه

يمشين فى كنف الوقار...

وقد أَبَن شعورهنه

وعقب سرقة الوطن من قبل الإخوان خرجت النساء خروجًا عظيمًا آخر، لا من أجل الدفاع عن المكتسبات التى حظين بها على مدار تاريخ مصر الحديث والمعاصر، بل من أجل تخليص الوطن من يد جماعة لم تره وطنّا بل مجرد حفنة تراب. خرجت النساء المصريات الوطنيات فى الشوارع والميادين، فى المدن، والقرى واللاتى لم يخرجن هتفن من منازلهن بسقوط الجماعة والتصدى لمشروعها، الذى يستهدف النيل من هوية مصر.

كانت النساء المصريات بمثابة خط الدفاع الثالث بعد الجيش والشرطة، وبالطبع كل المواطنين المصريين الوطنيين الذين خشوا على وطنهم وعلى مؤسساته وعلى أمنه واستقراره وسلامة شعبه. أتذكر جيدًا المشهد قبل 30 يونيو كيف كانت النساء تتقدم الصفوف يهتفن ضد الإخوان ويصرخن «يسقط حكم المرشد» ويحميهن الشباب من كل جانب، وكيف تحمى الطائرات المشهد من أعلى؛ مشهد لا يمكن أن ينسى، إذا كان مشهد ثورة  1919 لم نرَه إلا من خلال السينما، فإن مشهد ثورة النساء الحديثة رأيناها رؤية العيان، وإذا كانت النساء استطاعت، فى بداية حركتهن أن يمارسن «فن المستحيل»، فقد استطعن أن يحولن المستحيل إلى واقع.

  •  أستاذ علم الاجتماع جامعة عين شمس

لمزيد من مقالات د. سامية قدرى

رابط دائم: