الخلافات والمشاجرات بين الأطفال فى أثناء اللعب أمر طبيعى وجزء من عملية نموهم وتطوير مهاراتهم، وإذا وقع الخلاف بينهم سرعان ما ينسون الأمر ويعودون للعب مرة أخري، ولكن بعض الآباء والأمهات يعتبرونها معركة شخصية فتكبر المشكلة وقد تنتهى بمشاجرات فى أقسام البوليس، وربما تصل لحد صدور الأحكام على الطفل أو على أهله. فما هو الشكل الصحيح لتدخل الأهل فى خلافات الصغار؟ وما هو الحد الذى يجب عليهم التوقف عنده؟
يوضح د. محمد مجدى سليمان، أخصائى الطب النفسى، أن الخلافات بين الأطفال فى أثناء اللعب أمر طبيعى وجزء من النمو الاجتماعى للطفل وفرصة لاكتساب الطفل مهارات حياتية جديدة كإدارة الخلاف والتعامل مع أقرانه وتوصيل مشاعره كالغضب والحزن وهى مساحة للتطور العاطفى والاجتماعى، يتعلم منها الطفل كيف يعبر عن رأيه، وكذلك كيف يدافع عن نفسه وكيف يتفاوض ويعبر عن مشاعره السلبية كالخوف والخزى والحزن فى الوقت ذاته، والأسرة هى المسئول الأول عن تنمية قدرة الطفل على إدارة خلافاته فى المستقبل، حين يكبر ويواجه الحياة خارج جدران البيت وعندما تمنع الأم الطفل من التعبير عن ضيقها، ويقال له «اسكت أنت المخطئ» قبل أن تتاح له فرصة الشرح، أو تتسرع فى حل المشكلة بدلا من الطفل صاحب الخلاف، تعتبر هذه رسالة من الأم إلى الطفل أن الخلاف أمر ممنوع وأن الحل لا يأتى بالحوار بل بالحكم المفروض من السلطة الأعلى سواء الأم أو الأب، فيفقد ثقته فى ذاته فيلجأ إلى استخدام أسلوب العنف كوسيلة للتعبير عن غضبه أو أنه موجود ولهذا فإن أول ما يحتاجه الطفل فى الخلاف هو أن يشعر بأن هناك مساحة آمنة يشرح فيها وجهة نظره دون خوف ولا يعنى ذلك أن نترك الأمور دون تدخل ولا أن نسكت كل خلاف فور حدوثه بل أن نوازن بين أن نحمى الطفل وأن نعلمه كيف يدافع عن نفسه بطريقة حضارية.
وكما يوضح أخصائى الطب النفسي، ففى السنوات الأولى من عمر الطفل يكون التدخل ضروريا، لأنه لا يملك أدوات التعبير أو القدرة على تنظيم مشاعره، لكن هذا التدخل يجب ألا يكون بالنيابة عنه بل معه، من خلال مساعدته على فهم شعوره وشعور الآخر، ثم نرشده بلغة بسيطة إلى البدائل المتاحة كأن نقول له: أنت انزعجت لأن صديقك لم يرد مشاركتك، من حقك أن تنزعج لكن يمكنك أن تخبره بذلك بدلا من أن تصرخ أو تضربه، بهذا الأسلوب نكون قد منحناه الحماية دون أن نحرمه من فرصة التعلم.
ومع مرور الوقت كلما كبر الطفل ينبغى أن نقلل من سرعة تدخلنا ويتحول دور الأسرة من دور المصلح إلى دور المرشد، نراقب الموقف دون أن نتدخل مباشرة وننتظر لنرى ما إذا كان الطفل قادرا على التفاوض أو التراجع أو طلب المساعدة عند الحاجة فإن فشل نعود لمساندته لا لتأنيبه، نشعره بأنه فى كل مرة يحاول هو يخطو خطوة نحو النضج .
وفى بعض الأحيان قد يكون التدخل أمرا ضروريا عند تعرض الطفل أو المراهق الى العنف الجسدى أو اللفظي، فينبغى أن يكون بحكمة وعدل لا بالانحياز العاطفى ولا بالعقاب ويفضل الاستماع للطرفين وفهم السياق ثم توجيه كل منهما إلى ما كان يمكن أن يفعل بطريقة أفضل دون تقليل من شأن مشاعره، فالمهم أن يشعر كل طفل بأن صوته مسموع وأن الخلاف ليس ساحة معركة أو مباراة مكسب وخسارة بل فرصة للفهم والاحترام.
وتشرح د.نهال لطفى استشارية علم النفس التربوى، جامعة السويس، كيفية تنمية مهارة إدارة الخلافات من خلال مراعاة أمور محددة، منها ما يجب على الوالدين فعله عند معرفتهما بوقوع شجار وهو الإنصات بشروط كالحرص على عدم انفعال ودون إصدار أحكام مسبقة والاستماع الى الطفل بهدوء دون مقاطعة أو اتهام وأن تسأل أسئلة بسيطة لكن عميقة «ماذا حدث؟» «بماذا شعرت؟» ماذا كنت تريد أن تقول ولم تستطع؟ «هذه الأسئلة تمنح الطفل شعورا بالأمان، تعلمه تدريجيا كيف يترجم مشاعره إلى كلمات بدلا من أفعال غاضبة أو صمت فبدلا من سؤاله «لماذا ضربته؟» يفضل أن نبدأ بسؤاله «ما الذى حدث؟» لأن طريقة طرح السؤال قد تحدد طبيعة رده وشعوره تجاه الموقف والاستماع الجيد يمنح الطفل الأمان ويعزز ثقته فى أهله ويجعله أكثر استعدادا لتحمل مسئولية ما فعله إن كان مخطئا ولكن هناك بعض الأهل يلجأون إلى رد الفعل الانفعالى الذى قد يربك الطفل أكثر مما يساعده، فحين يندفع أحد الوالدين إلى المدرسة أو النادى ليهاجم أهل الطفل الآخر أو يطالب بعقاب فورى فإن الطفل لا يستطيع التمييز بين هل هو مخطئ أم مظلوم يدافع عنه أم أنه مجرد أداة فى نزاع الكبار؟ والتصرف الهادئ من الأهل حين يقولون للطفل «نحن بجانبك ولكن نريدك أن تتعلم كيف تتصرف بطريقة صحيحة» هى الرسالة الأكثر وضوحا وقوة.
وهناك حالات يجب على الأهل التدخل بأسلوب واع، منها إذا تكرر العنف الجسدى أو كان هناك استغلال لقوة جسدية من طفل أكبر أو تكررت الخلافات بنفس الأسلوب أو كان الطفل غير قادر على التعبير أو الدفاع عن نفسه، مع مراعاة ألا يكون التدخل فى هذه الحالات بصيغة تهديد أو خصومة بل توجيه متزن واتفاق هادئ مع الأطراف الأخرى يضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبارات.
وعندما يتعلم الطفل كيفية إدارة خلافاته بنجاح يصبح مراهقا أكثر قدرة على التعامل مع الصراعات الاجتماعية سواء فى المدرسة أو الحياة العامة، فبدلا من أن يكون سريع الغضب أو يميل إلى التجنب يصبح قادرا على التفاوض وحل المشكلات بطريقة ناضجة، مما يساعده فى بناء علاقات قوية وثابتة
ولكن للأسف هناك بعض الأهل يعتبرون خناقة ابنهما جزءا من كيانهم الشخصى وكأن الخناقة إهانة لهم ويصبح كل همهم الأخذ بحق الابن، مع أن دورهم الحقيقى هو تعليمه متى وكيف يأخذ حقه بأسلوب سليم، هو مهارة التفاوض ومواجهة المشكلة وإيجاد حلول لها دون اللجوء الى العنف سواء اللفظى أو الجسدي. من المهم أن يتعلم الطفل أن الدفاع عن نفسه لا يعنى الإساءة للآخرين وأن الاختلاف لا يعنى الخصام، كما يجب أن يتربى على ثقافة الاعتذار التى لا تنقص من كرامته بل هو سلوك ناضج يعكس ثقة بالنفس.
رابط دائم: