لا أجد دولة فى الشرق الأوسط أحق بالاستقرار مثل مصر، لا لأنها بلد قديم راسخ الأركان ولا حقوق عليه للغير فقط، ولكن لأنه بلد قدم العديد من التضحيات الجسيمة لخدمة عروبته، وحفاظًا على هويته، وحرصًا على قوميته، ومع ذلك فليست كل النفوس صافية نحوه فى وقتٍ تنكر فيه بعض الأصدقاء وغاب عنه بعض الأشقاء، فمحاولات توريطه فى كل مشكلة هى محاولات مستمرة لا تتوقف، والأحداث تؤكد يومًا بعد يوم أن مصر مستهدفة تحيط بها موجات الحسد أحيانًا إن جاز التعبير أو الغيرة الوطنية على الجانب الآخر إذا جاز التعبير أيضًا، وفى كل الأحوال هى مطالبة باليقظة الشديدة والوعى الكامل، فهى أمة وحدها بثقلها السكانى وتراثها التاريخى وموقعها الجغرافى، فضلاً عن الأدوار السياسية والمخزون الفكرى الذى عاشت به ومعه وصدرته للعديد من الدول من حولها، ولأن الدنيا قد تغيرت والعالم قد تحوّل وشب الجميع عن الطوق فإن مصر تبدو مطالبة اليوم أكثر من أى وقت مضى بإعادة النظر فى ثوابتها الإقليمية ومواقفها الدولية على ضوء الأحداث الكبرى والتغيرات المتلاحقة التى طرأت على الشرق الأوسط، سواء فى غرب آسيا أو شمال إفريقيا، وقد تجاوز التطاول على مصر كل الحدود فى محاولة للسيطرة على نهرها الخالد أحيانًا أو أهراماتها ذلك التراث الشامخ أحيانًا أخرى، أو فى بضاعتها الفكرية التى استأثرت بها وحافظت عليها وضحت من أجلها وأعنى بها ما نطلق عليه حاليًا القوى الناعمة فى مخزون المنطقة، ولذلك فإننى أطرح ثلاث قضايا أطالب بالتركيز عليها والاهتمام بها:
أولاً: لقد آن الأوان لمصر ولغيرها من دول الشرق الأوسط خصوصًا العربية أن تعيد النظر فى الأصنام الموروثة والثوابت التى أكل عليها الدهر وشرب، حتى نستطيع أن نفتح أبواب المعرفة الحقيقية ونعيد تقييم الأوضاع وفقًا للمتغيرات الضخمة المتلاحقة التى طرأت على العالم بمستوييه الدولى والإقليمى فى السنوات الأخيرة بل وفى الشهور الأخيرة تحديدًا، فلقد أصبحنا أمام مواجهات غير معتادة والنيران تمضى على أبوابنا جميعًا فالنزاعات المسلحة والحروب الدامية ليس فيها غالب ولا مغلوب، ولكن فيها خراب ودمار وإقصاء وإفقار وتبديد للموارد وتحطيم لروح التسامح وإذكاء لخطاب الكراهية، ولست أعنى بذلك أن مصر أو شقيقاتها العربيات يجب أن ينسلخن من جلودهن الحضارية والتاريخية، ولكننى أطالب بتلك المراجعة الجريئة والشجاعة لكثير من المسلمات على ساحة المنطقة مع التوقف عن ترديد المفردات العاطفية التى درجنا عليها منذ عقود، فالسياسة طريقة وليست حقيقة، ويجب أن تكون لدينا آفاق بعيدة لدبلوماسية مستقرة أحسب أن النظام المصرى الحالى خصوصًا فى الشهور الماضية يحاول التركيز عليها والمضى بها إلى ساحة الاستقرار قدر الإمكان.
ثانيًا: يجب أن نعترف هنا أن حالة الثبات فى العلاقات الدولية أمر لا وجود له، لأنها تبدو كالعوم ضد التيار فإما أن تتقدم وإما أن تتراجع، ولا وجود لحالة الثبات، فلابد من الاشتباك الإيجابى مع قضايا المنطقة، وأنا كمصرى أتطلع لبلادى لكى تكون مستودعًا للحكمة والرأى الحصيف والرؤية المتوازنة، خصوصًا وأن (ما لا يدرك كله لا يترك كله) فالسياسة أخذ وعطاء وهى التى تملك مفاتيح المستقبل، ويمكن من خلالها استشراف القادم، ومصر بحكم تاريخها العريق وتراثها الضخم وأدوارها الحضارية والثقافية من أقدر شعوب المنطقة على ولوج هذا الطريق الذى ننادى به وندفع إليه ونبشر بوجوده دومًا، فلسنا عبدة أصنام سياسية ولا حملة مباخر لقوى إقليمية، بل نحن دولة قائدة فى الحرب ورائدة فى السلام، ولا يمكن تركيز دورها بحال من الأحوال فى الحياد الإيجابى وحده، بل لابد من الدفع بالمبادرات البناءة والأفكار العاقلة المستنيرة والمشاركة فى الوساطات المتاحة من أجل إيقاف نزيف الدماء فى كل مكان، لأننا دعاة حق وبناة سلام ورواد حياد إيجابي.
ثالثًا: إن أصعب اللحظات وأكثرها تعقيدًا قد تتحول إلى أكثرها أملاً وأشدها تفاؤلاً، ألا يمكن أن تتحول هذه اللحظات العصيبة التى تمر بها المنطقة إلى انفراجة كبرى تفتح باب الأمل وآفاق السلام العادل، قد يبدو ذلك الأمر مستبعدًا، ولكننا نعلم أن الآلام الكبيرة والمشكلات المعقدة هى التى تصنع الواقعية السياسية والمستقبل الأفضل وتحدث حالة من الإفاقة العقلانية التى تمضى بها وعليها العديد من الأمور فى مسارٍ ثابت وبأقدام راسخة، رغم أن ذلك قد يكلف البعض تضحيات جساما فى بداية الطريق، إن مصر ليست دولة هامشية ولن تكون، بل هى مركز ثقل بشرى لا يمكن الاستهانة به، ولذلك فإن الحقيقة تحدد الطريقة كما أسلفنا، ونحن فى حاجة إلى تعبئة مواردنا وإعادة صياغة أولوياتنا حتى تظل الأضواء الساطعة تتألق دومًا فى سماء الكنانة.
لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى رابط دائم: