رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

قصور الثقافة ..جامعات شعبية مجانية

فجأة انتشرت فى مايو الماضى أنباء عن نية الهيئة العامة لقصور الثقافة إغلاق 120 بيتا ومكتبة ثقافية فى القرى والمراكز، الأمر الذى أثار موجة غضب بين المثقفين الذين اعتبروا القرار تهديدا للمساحات الوحيدة المتاحة للشباب والأطفال للتفاعل مع الفن والمعرفة مجانا، وتمنيت على المستوى الشخصى أن يكون مجرد إشاعة، وأن يقتصر الأمر على نقل المراكز الثقافية من أماكن مؤجرة لأخرى بسبب قوانين الإيجارات!!

والحقيقة أن الغضبة التى فجرتها أنباء إغلاق منافذ الثقافة الشعبية لها ما يبررها، ذلك أن شعار»الجامعة الشعبية» الذى انتشر فى مصر منذ عام 1945 استكمالا لأطروحة عميد الأدب العربى «طه حسين»: التعليم كالماء والهواء حق للجميع، استمر لما يقرب من قرن وإن تغير المسمى فى سنة 1965 للثقافة الجماهيرية ثم فى عام 1989للهيئة العامة لقصور الثقافة. فخلال عملى الصحفى وتنقلى بين المحافظات مع قوافل الثقافة الجماهيرية، وشهادات زملاء ورموز فى حياتنا الثقافية، أقر بضمير مستريح أن قصور الثقافة لعبت دورا مؤثرا فى حياتنا الثقافية والبيئة المجتمعية المحيطة بها؛ مثلما حدث يوم تحول سوق خضار روض الفرج؛ الذى وثق أجواءه المجتمعية وثقافته صلاح أبو سيف وفريد شوقى فى فيلم الفتوة، لقصر للثقافة احتضن مكتبة للطفل، ونادياً للمرأة، ومسرحا مفتوحا للطفل، ومكتبة عامة، وفرقا مسرحية وموسيقية، إضافة لإطلاق القوافل الطبية .

وأظننى لا أبالغ إذا ما أكدت أن أبناء جيلى تحفظ ذاكرتهم آلاف الحكايات عن الدور الثقافى والمجتمعى الذى لعبته قصور الثقافة فى أحياء وقرى ومحافظات المحروسة، من خلال اكتشاف ورعاية المواهب وتوفير الخامات وأماكن التدريب أو إقامة المسابقات، ولو اقتصرت جوائزها على علبة ألوان صغيرة وسندوتش جبن رومي؛ صنعته ذات يوم مديرة قصر ثقافة الحرية «وسام أبو السعود» بيديها لتقدمه مع علبة ألوان بقروش زهيدة لموهوب صغير تمنى أن يتذوقه!!

تتداعى فى مخيلتى صور تبدو أشبه بحلم ليلة صيف، يتصدرها دوما بيت بسيط للثقافة على أرض المحروسة..تخايلنى صورة لسيدة تعرض بضاعتها أمام بناية متواضعة ليس لها من سمة القصور شييء ولكنها تعلمت فى أحد زواياها أن تكسب قوت يومها لتنقذ صغيرتها من زيجة مبكرة تجهض أحلام قاصر؛ انتحت فى أحد أركان البناية ترسم!!.. وتعاودنى صورة لأمسية صيفية يرجع تاريخها لأكثر من ربع قرن.. ففيما كنت أهبط درجات حجرية متآكلة تفضى لمساحة مفتوحة على ضفة النيل، عجت بصياح أطفال جاءوا فرادى أو بصحبة أمهات اتشحن بطرحة فتاة محمود مختار، طالعتنى وجوه لونتها شمس تضرع لها مبدع شعبى ألا تحمى على كل حبيب«صابح ماشي» وطمى حلو أسمر يجرى بين شطين، ألهم الشعراء وتغنى به وله عبد الوهاب وثومة وحليم و..و..، وجوه تترقب وتختلس النظر بين الحين والآخر لمساحة فارغة، تعد اللافتة الورقية التى تصدرت المدخل بان تمتلئ بحياوات تتماهى أحيانا مع الواقع وكثيرا ما تحلق لفضاءات أرحب وعوالم سحرية غير مطروقة من قبل!! ..خفتت الأضواء وضجيج التسابق للجلوس فى أماكن متميزة على الدرج الحجري..انفرج ستار وهمى عن مجموعات لا تشبه أيا من السوبر ستار الذين تستضيفهم القنوات الثلات اليتيمة الى امتلكها التليفزيون المصرى آنذاك .. تعالى الضجيج والصفير اللذان كانا علامة مدرجات ترسو سينمات الدرجة الثالثة آنذاك…إن هى إلا دقائق وبات جمهور المدرجات الحجرية جزءا من الحدث الذى يتمثل أمامهم..بعد انتهاء العرض امتلأ الفضاء بمزيج من ضحكات أثارها موقف فى المسرحية وبأنين سببه آخر هيج المواجع أو انتشاء بلحن وأداء موهوب مغمور؛ ندهته النداهة، فخلع عفريتة تلاصقه نهارا لكسب قوت يومه، ليتحول فى المساء لسلطان توفيق الحكيم الحائر..

تلك بعض من حكايات جامعة شعبية تبنتها الدولة لعقود طويلة وإن تبدلت المسميات لبناء الإنسان، وأظن أن الحفاظ على بيوت الثقافة- كما أفضل أن أطلق عليها- وحل مشاكلها؛ دعما لقوة مصر الناعمة ووعيها الجمعي، سيظل دوما فرض عين.


لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: