«وكأنهم فرغوا من الحساب» قالها ابن خلدون دهشة من تفانى المصريين فى تنظيم الاحتفالات وابتكار الأعياد وطقوسها وإسرافهم فى كل ما يبعث على المرح وكأنهم قد دخلوا الجنة بعدما ثقلت أعمالهم فى الميزان ..وتعجب مثله الرحالة والمستشرقون من القدرة العجيبة لهذا الشعب العبقرى الذى يستقبل المصائب بمقولة «الحمد لله» ثم ينطلق ليغنى ويرقص. لكن ما غاب عن هؤلاء وأولئك أن المصريين إنما اخترعوا تلك المناسبات استجابة لميلهم الفطرى للمرح والسرور كما وصفهم ابن بطوطة.
فمنذ استقر المصرى القديم على ضفاف النيل قرر أن يحتفل بكل شيء يستحق الاحتفال : مولد عام جديد، موسم حصاد، شم النسيم،وخصصوا عيدًا لنهر النيل، واحتفلوا بعيد ميلاد الملك وتتويجه، وهما المناسبتان اللتان ظلتا قرونا حتى عهد الملك فاروق، ومثلهما انتقلت إلينا الكثير من الأعياد بالوراثة وكأن المصريين استخسروا أن يحذفوها من قاموسهم واكتفوا بإلباسها ثوبا جديدا.
احتفى المصريون القدماء بآلهتهم وحين اعتنقوا المسيحية احتفلوا بمولد السيد المسيح ولما جاءهم الإسلام احتفوا بالمولد النبوى بعروسة وحصان وحلوى على كل لون، وصنعوا لأوليائهم موالد لا تخلو من الرقص والغناء والزمر والطبل جنبًا إلى جنب مع الإنشاد الدينى والصوفي. أهل أنس وطرب ومرح هذه هى حال المصريين على اختلاف دياناتهم: مسلمين ومسيحيين ويهودا فقد كان لكل منهم قائمة طويلة من المناسبات والاحتفالات منها ما هو دينى ومنها ما ارتبط بمواسم الزراعة ومنها ما ارتبط بمناسبات خاصة ومنها ما ارتبط بشخص الحاكم .
.....................

الملك فاروق فى أثناء تلقيه التهانى بالعيد
لا يمكننا اختزال قيمة الحضارة المصرية القديمة وعظمتها فى مجموعة معابد ومسلات وأهرامات، فمغزى عظمتها الحقيقى يتجلى فى قيمها المعنوية ومنظومة الأخلاق التى أرستها حتى أساطيرها جاءت معبرة عن تلك القيم ؛ فإيزيس زوجة وفية مخلصة لزوجها تطوف محافظات مصر بحثا عن أشلاء زوجها وتظل طوال رحلتها المقدسة تبكيه فتمخضت دموعها الغزيرة عن ميلاد نهر النيل فدشن له المصريون عيدًا عرف باسم «سقوط دمعة إيزيس». وكان «وبت رنبت» هو عيد افتتاح السنة الموافق لبدء موسم الدورة الزراعية فى الأول من شهر تحوت أو توت، ولم يكن احتفال المصرى القديم بالنهر سوى اعترافًا بمكانته كشريان الحياة الذى وهب مصر حضارتها واستقرارها التاريخى حتى عندما وضع المصرى القديم شروط محكمة الموتي، كان من بين بنود القسم التى على الميت أن يقسمها أنه لم يلوث يومًا نهر النيل . وعبر قرون متتالية عرف كل من حكم مصر أهمية هذا النهر وظلوا يحتفلون بعيد وفائه فى مواكب عظيمة كان يخرج على رأسها الملوك والسلاطين. ويروى الجبرتى أن الوالى العثمانى كان ينزل من القلعة مع الأمراء إلى مقياس النيل بالروضة حيث تقام الاحتفالات وبمعول من فضة يضرب الوالى ضربته فينطلق الماء من السد إلى قناة فم الخليج . ثم تلقى دمية من الخشب وحفنة من النقود الذهبية والفضية فى النهر.
أعياد بالوراثة
يقول علماء النفس إن لكل شعب صفات نفسية متوارثة يصنعها استقراره التاريخى والحضارى وتجانس أبناء الشعب الذين تجمعهم أرض واحدة وظروف واحدة ومعيشة مشتركة، ولم يختلف علماء الاجتماع على أن سمة «الاستمرارية» سمة أصيلة فى الشعب المصري، ويمكننا القول إنهم كما توارثوا سماتهم النفسية من الصبر والجلد والرضا وحب الحياة، توارثوا أيضا أعيادهم ومنها وفاء النيل وشم النسيم أو عيد الحصاد الذى مازلنا نعيش تفاصيله كما سجلها المصرى القديم على جدران معابده من تناول الملانة والبصل الأخضر والبيض وهو رمز البيضة التى خلقها الإله بتاح ومنها خرجت الشمس، والسمك المملح «الفسيخ» رمز خلق الحياة من محيط مائى أزلى .
كما ظللنا على عهد الوفاء لعيد «الأوبت» أو عيد الإله آمون بطقوسه التى انتقلت للاحتفاء بأبى الحجاج الأقصرى الزاهد العراقى المدفون فى ضريح داخل مسجد سمى باسمه بنى فوق أطلال معبد الأقصر، وكان لأبى الحجاج مجلس علم يقصده الناس وله منظومة شعرية فى علم التوحيد تتكون من 1333 بيتًا. يعقد مولد أبى الحجاج فى الرابع عشر من شعبان، والطقوس التى تتم فى هذا المولد تشبه عيد «الأوبت « الذى رأينا حديثًا محاكاة له فى الاحتفال بافتتاح طريق الكباش .

مقياس النيل بالروضة من الداخل
من رمسيس الثانى إلى فاروق
كانت مناسبة الجلوس الملكى مناسبة تستحق الاحتفال عند المصرى القديم حتى خلدها للملك رمسيس الثانى بأن جعلوا الشمس تتعامد على تمثاله يومين فى العام هما يوم ميلاده ويوم تتويجه . وقد ظلت المناسبتان معتمدتين فى معظم الأحوال وصولا إلى الملك فاروق الذى كانت تقام له عدة احتفالات بخلاف تلك فى قصر عابدين، فقد كانت هناك احتفالات مماثلة فى بيوت بعض أفراد الحاشية وكانت الأميرة شيوه كار الزوجة الأولى لوالده الملك فؤاد تقيم له احتفالين سنويًا بخلاف دعوته فى مختلف السهرات والحفلات التى حرصت على إقامتها طوال العام والتى اشتهرت بالبذخ حتى اتهمها البعض بأنها كانت تتآمر لإفساد الملك الشاب انتقامًا من والده الذى سرق مالها وعذبها وهى التهمة التى لم ينجح المؤرخون فى إثباتها أو نفيها لأنها تدخل فى إطار النوايا .
ثم ابتدع الملك الشاب فاروق عيدًا للشبان المتفوقين عام 1943 لتكريم المجتهدين منهم وكانوا يمنحون عددًا من الهدايا من بينها صورة لجلالة الملك موقع عليها منه.

مصطبة المحمل فى ميدان الرميلة بالقلعة
أعياد العصر الملكى
طبول وزمور فى شوارع المحروسة تختلط بصوت طلقات مدافع قلعة الجبل،وموسيقى تتعالى فى كشك حديقة الأزبكية أو فى ساحة عابدين حيث الفرقة الموسيقية الملكية تعزف أبهى الألحان صبيحة عيدى الفطر والأضحى أو فى الساحة الكبرى بالعباسية المخصصةً للاحتفاء بمناسبة المولد النبوى فى سرادق مهيب يليق بجلال المحتفى به . ألعاب نارية وأسمطة ممتدة تقدم الأطعمة للفقراء والمحتاجين وسائر عطايا الجناب العالى . إنشاد دينى ودراويش يحملون راياتهم وعلى صدورهم تتدلى سبحهم الطويلة وحناجرهم تجهر بمدح خير البرية. أغان تتردد فى المذياع بعد أن أضحى الراديو الأنيس والجليس فى مقاهى القاهرة ثم فى المنازل تبث أغان تدعو للملك فى عيد مولده أو عيد جلوسه . مواكب ملكية تقطع شوارع القاهرة تميزها الخيول المطهمة التى تجر العربات والسروج المذهبة والأزياء المزركشة للأشمجية يتقدمون الموكب مهرولين يفسحون له الطرقات . وداخل القصر الملكى دفتر مذهب فى قاعة التشريفات الكبرى يسجل فيه الزائرون تهانيهم وتمنياتهم لرب القصر بالصحة وطول العمر. وفى قاعات القصر البهى فناجين مذهبة تغدو وتروح فى أيد خدم يتمخطرون فى ستراتهم السوداء وأغاوات يتنقلون بخفة بين المدعوين وطرابيشهم تعلو رءوسهم فى وقار. مهرجان من البشر: قناصل الدول ببدلاتهم الأنيقة وشيوخ وحاخامات وقساوسة يتباهون بعمائمهم ورجال الدولة يرفلون فى ثيابهم الموشاة بالأوسمة والنياشين، وجميعهم فى انتظار قدوم الجناب العالى بعد انتهائه من صلاة العيد التى أحبها الملك فؤاد فى جامع الرفاعى حيث يرقد والده إسماعيل وفضلها ابنه فاروق فى مسجد الغورية.

قصر عابدين يتزين خلال الاحتفالات
تباينت مناسبات الأعياد طوال العصر الملكى واختلف مذاقها وسببها فمنها ما هو دينى ومنها ما هو وطنى ومنها ما يتعلق بشخص الحاكم من ميلاد ومناسبة تتويج أو ما ابتكره من مناسبة للاحتفال لتسجل له باسمه فى كتب التاريخ .تعددت الأسباب وبقيت تفاصيل الاحتفال شبه واحدة لم تتغير عن تلك الصورة إلا فيما ندر مثلما حدث حين أوقف الملك فؤاد التشريفات والتبريكات بعيد الأضحى بعدما اعتدى أحد الشباب على سعد باشا زغلول فى محطة القطار لرفضه طريقة سعد باشا فى مفاوضة الإنجليز ووصفه إياهم بـ«الخصوم الشرفاء»، أو حين توقفت مصر عن إرسال المحمل للكعبة المشرفة لفترة زمنية محدودة خلال العهد الملكى .
كان الاحتفاء بعيدى الفطر والأضحى وقبلهما رمضان وعيد سفر المحمل من أهم الأعياد فى العصر الملكى ولو أن الخديو إسماعيل لم يكن يشارك بشكل فعال فيها جميعًا وكان ينوب عنه فى ذلك ابنه توفيق الذى كان حريصًا على المشاركة فى طقوسها جميعا خصوصًا عيد سفر المحمل .
لعل من أشمل الأوصاف التى وصلتنا لاحتفالات عيد الأضحى ما كتبه قنصل إسبانيا فى مصر (1884-1886) الذى وصف عيد الأضحى أو كما أطلق عليه بالتركية «بايرام» بعيد الفصح الإسلامي: «وقد رأيت بقصر عابدين الاحتفالات الرسمية بعيد الأضحي، فاجتمع منذ ساعات الصباح الأولى فى ساحته الواسعة طابور من سلاح المشاة المصرى حاملا الأعلام يعزف الموسيقى ووقفت كتيبة من الإنكشارية على خيولها لتمنع وصول موجات من البشر إلى سلالم القصر الملكى وكان دوى المدافع يسمع فى الوقت نفسه من أبراج قلعة صلاح الدين ليعلن للحشود المتلفهة بالاتجاه إلى القصر عن حضور عرض السلطات المختلفة والجماعات التى اتجهت لتحية الخديو . وكان الاستقبال حافلا فى صالونات القصر فى الساعة الثامنة صباحًا ظهر الخدم بأزيائهم المطروة بالذهب وصدورها مغطاة بأشكال متقاطعة والعلماء بعمائمهم الكبيرة الخضراء وملابسهم الفضفاضة المسدولة والشيوخ بعباءاتهم البيضاء وشيوخ القبائل البدوية ذوو بشرة سوداء كالأبانوس، نظراتهم عابسة متلألئة وأيديهم على مقابض خناجرهم. ثم وصلت الوفود الأجنبية بعد ذلك الحاخامات اليهود والبطريرك اليونانى صحبة الآباء ورئيس الرهبان الفرنسيسكان وركب جميعهم عربات أثرية تجرها الخيول لتوصلهم إلى قصر الأمير « ويصف «إدواردو» كيف قدم الخدم الغليونات المشتعلة والمملوءة بأفضل أنواع التبغ من «لاتاكيا» والتى تعرف باسم «شيبوك» ثم دخل الخدم بفناجين القهوة المصنوعة من الذهب الخالص المكفت على شكل غصون وعلق الرحالة أن الخديو توفيق «ربما لم يفكر فى أن الفلاحين الذين يعملون فى أرضه يموتون فى الحقول من الفقر وأن ثمن واحدة من تلك الجواهر يكفى لإعالة فلاح مسكين وأسرته طوال العمر».
عيد المحمل من المماليك إلى أسرة محمد على
بين بسملة الأرض وتسبيح الطيور والجبال، ظلت قافلة المحمل المصرى تتهادى فى طريقها إلى الأراضى الحجازية تلك الرحلة التاريخية التى بدأت فى عهد شجر الدر واستمرت عبر قرون حتى العصر الملكى بكامل حقباته عدا مرتين الأولى أثناء الحرب العالمية الأولي.
كان الاحتفال بعيد أو دوران المحمل الحدث الجلل الذى يعبر عن لهفة المصريين للرحلة المقدسة إلى الأراضى الحجازية، يبدأ بنقل الكسوة من دار الكسوة الشريفة التى تأسست عام 1818 بالخرنفش إلى ميدان الرميلة «القلعة» ومنها إلى مسجد سيدنا الحسين حيث توضع الكسوة فى صناديق استعداد لرحلتها إلى الحجاز . وفى كل تلك المحطات يصطف المصريون لمتابعة هذا الحدث الدينى الجلل الذى اعتبر إجازة رسمية فى البلاد . وفى ميدان القلعة حيث ذلك المبنى المعروف ب « مصطبة المحمل»أسفل أسوار القلعة بالقرب من مسجدى السلطان حسن والرفاعى يصطف الجنود بأسلحتهم أمام السرادق الضخم الذى يضم أعيان الدولة والعلماء وقادة الجيش والنظار «الوزراء» والأمراء ومع قدوم الجناب العالى تطلق المدفعية 21 طلقة ثم يعزف السلام الخديوى فى عهدى إسماعيل وتوفيق والذى حل محله السلام الملكى فى عهدى فؤاد وفاروق. وبعدها يطوف مأمور تشغيل الكسوة بجمل المحمل ثلاث مرات ثم يتوجه به إلى الخديو أو الملك الذى يتناول كيس مفتاح الكعبة فيقبله ومن بعده قاضى القضاة الذى يتلو دعاء المحمل ثم يبدأ أمير الحج فى السير وخلفه المحمل ويدور ركب المحمل فى شوارع القاهرة من شارع محمد على وصولا إلى المشهد الحسينى حيث يزور أمير الحج المقام ويحرر إشهاد شرعى باستلام الكسوة وتوضع فى صناديق استعدادا لرحلتها إلى الأراضى الحجازية.
رابط دائم: