رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

أوروبا اليتيمة

ألِف العالم علاقة أوروبا بأمها أمريكا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على وتيرتها التى لم تتغير ولم تتبدل ولم يتعكر صفو العلاقة بينهما سوى مرات قليلة لم ترق للصدام أو الزلزلة أو التصدع مثال ذلك فى عام 1966 انسحبت فرنسا من القيادة العسكرية للناتو مع بقائها ضمن حلف شمال الأطلنطى، كما وجهت الكثير من الدول الأوروبية انتقادات حادة للتدخل الأمريكى فى فيتنام وفى عام 1983 عارضت انجلترا غزو رونالد ريجان لجزيرة جرينادا وهكذا أمثلة لخلافات سياسية بسيطة لتسجيل الاعتراض فقط ولكن لم ترق يوما وعلى مدى سبعة عقود لاتخاذ موقف موحد من أوروبا ضد أمريكا، إلى أن حدث الزلزال الذى صًدع العلاقات القوية المتينة التى جمعت القارة العجوز بأمريكا التى أخرجت أوروبا من تحت الركام كسيحة ذليلة بعد الحرب العالمية الثانية بمشروع مارشال ومن يومها وأوروبا تسير طائعة عمياء تؤمٍن على كل ماتقوله أو تفعله أمريكا على طريقة ما أوريكم إلا ما أرىولا أهديكم إلا سبيل الرشاد، ثم جاءت الصدمة فى أقل من ثلاثة أشهر حيث ألقى ترامب بأكثر من كرة لهب فى وجه أوروبا بتخليه عن مساعدتها فى حربها ضد روسيا وتخليه عن حمايتها أمنيا ثم فرض التعريفات الجمركية على وارداتها، حين تلقت أوروبا الصفعة كان التلاسن والحرب الكلامية هما سيد المشهد مثلا فوجئت واشنطن بطلب من نائب أوروبى فرنسى بإعادة تمثال الحرية إلى فرنسا حيث لم تعد الولايات المتحدة جديرة بهذا النُصٌب التذكارى الذى كان هدية من فرنسا منذ ما يقرب من 140 عاما، فى المقابل ردت المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن الفرنسيين لا يتكلمون الألمانية اليوم بفضل أمريكا دون سواها فعلى فرنسا أن تكون ممتنة لبلدنا العظيم فى إشارة إلى الدور الأمريكى فى هزيمة ألمانيا النازية وبالتالى عدم انتشار اللغة الألمانية فى القارة الأوروبية.

دفعت الصدمة أيضا السيناتور الفرنسى كلود مالوريه إلى وصف ترامب علنا بوصف سيئ وانتشرت الكلمة كالحريق فى وسائل الإعلام والتواصل الغربية، الآن نستطيع أن نقول أن العلاقات أصبحت هشة بينهما، ولكن هل وقفت أوروبا على التل تراقب ما تفعله أمريكا بها وهل تقف موحدة فى وجه ترامب أم تختلف توجهات 27 دولة عضوا فى الاتحاد الأوروبى.

فى الأسابيع الأولى من تلقى أوروبا الصدمة قامت إنجلترا بمحاولة التهدئة مع ترامب فأرادت أن تجامله فوجهت له الدعوة لمقابلة الملك تشارلز فى زيارة دولة للمرة الثانية واقترحت بولندا تسمية قاعدة عسكرية باسم فورت ترامب، ثم اكتشفوا تفاهة هذه المساعى.

اتخذت أوروبا بعض المواقف والقرارات والخطط المتعلقة بتعزيز قدراتها الدفاعية ولكن هناك تحديات كبيرة لاتزال تلوح فى الأفق، يعترض رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان المقرب من بوتين وترامب على مبادرات أوروبا بخصوص أمنها وتختلف أيضا إيطاليا وسلوفاكيا وهولندا على خطط الإنفاق الكبير على الدفاع، وأمام الحرب التجارية التى تشنها أمريكا على العالم وأوروبا انقسم موقف أوروبا فى التعامل مع هذه الحرب فأسبانيا وألمانيا وأيرلندا وفرنسا واليونان والبرتغال تدعو إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول وتكتلات اقتصادية أخرى حول العالم مثل الصين ودول مجموعة البريكس أما هولندا وإيطاليا والمجر ومعها إستونيا ولاتفيا وليتوانيا فترى أن حل الخلافات التجارية مع واشنطن بعيدا عن التلويح بالتقارب التجارى مع الصين سيكون أجدى حتى لا يتم إغضاب الإدارة الأمريكية.

أسبانيا ترى ضرورة التعاون مع الصين لمواجهة الحرب التجارية التى يشنها ترامب.

إيطاليا تبنت نهجا عمليا منفتحا على الأزمة وقامت بزيارة منفردة لأمريكا أثارت قلق أوروبا من اهتزاز وحدة الموقف الأوروبى ولكن ميلونى ترى أنها تلعب دور الجسر الواصل بين الرؤية الأمريكية والأوروبية.

أوروبا أصبح لها موقف مختلف عن أمريكا وإسرائيل من حرب الإبادة الجماعية فى غزة فأسبانيا وأيرلندا وألمانيا وفرنسا تقف الآن موقف الداعم القوى لحل الدولتين وضرورة إعادة إعمار غزة وعودة أهلها إليها حتى أن وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو قال علنا أن اتهام أى شخص يدافع عن حل الدولتين بأنه معادٍ للسامية أو مساند لحماس أمر سخيف، ما يعد انقلابا فى العلاقات الأوروبية الإسرائيلية وربما يكون ذلك كيدا لترامب الذى يدعم قيام إسرائيل الكبرى.

هل ستستفيد القضية الفلسطينية من ابتعاد أوروبا عن أمريكا فهل البعاد والهجر سيفتح أعين أوروبا لترى الحق وتقف بجانبه بعد أن اكتوت بنار الغدر نتيجة لأئها الأعمى لأمريكا؟ سنرى وإن غدا لناظره قريب.


لمزيد من مقالات سهيلة نظمى

رابط دائم: