المسامحة والغفران، والمصالحة، والتسامح مصطلحات نرددها كثيرًا، ولكن هل سألنا أنفسنا: هل نعلم الفرق بينها؟ وهل نعلم أهميتها لبناء مجتمعاتنا ولتحرير ذواتنا؟ وهل سألنا أنفسنا: كم مرة حملنا أوزار الماضى على أكتافنا؟ وهل المسامحة هبة نقدمها للآخرين أم نقدمها لأنفسنا؟ وهل المسامحة تختلف عن التسامح؟ وهل المسامحة تتطلب بالضرورة المصالحة؟ وهل المسامحة والغفران تعنى نسيان الإساءة أو التغاضى عن الظلم؟. أسئلة كثيرة قد تطرح علينا وقد نسألها لأنفسنا، قد نجد لها اجابات وقد لا نجد، قد ندرك أهميتها ولكننا نعجز عن ممارستها.
دعونا نبدأ بالتفرقة بين هذه المفاهيم، ترتبط المسامحة بالغفران والمصالحة ولكنها تختلف عن التسامح، فالمسامحة هى قرار فردى يتخذه الفرد بوازع داخلى لكى يتغاضى عن الإساءة والأذى الذى تعرض له من طرف أو أطراف، لذا، قد يلجأ الفرد، من تلقاء نفسه أو بتدخل الآخرين، للمصالحة مع من أساء إليه لكى يغفر ويحرر ذاته من الأعباء الجسمية، النفسية، والمعنوية، التى قد تؤدى إلى تداعيات سلبية عليه؛ فلا شيء مرهق مثل: حمل الأحقاد والضغائن التى تزيد من حدة التوتر إذا ما ارتفعت نسبة (الكورتيزول) فى الجسم، كما تزيد من ارتفاع ضغط الدم، ومن ضربات القلب، وتضعف جهاز المناعة، وتضر بالذاكرة، ناهيك عن التداعيات النفسية مثل: الشعور بالاكتئاب، والقلق والغضب، وكلها تؤدى إلى الضيق النفسى والعاطفى وتفقد المرء السلام الداخلي. لذا، فالمسامحة تحرر العقل والقلب والنفس وتعزز جودة الحياة وتغير مجرى حياتنا وتوجهها نحو مسار أكثر إيجابية. على الرغم من ذلك فالمسامحة لا تعنى النسيان أو استبدال النوايا السيئة بالجيدة، ولا تعنى التخلى عن تحقيق العدالة، ولكنها تعنى الرغبة فى تحقيق أقصى درجات الخير لمن وقع منهم الأذي، كما يمكن للشخص أن يسامح دون أن يسعى بالضرورة إلى المصالحة مع الشخص المسيء، كما أن المسامحة ليست ضعفاً أو تبريراً للفعل الخاطئ، بل قوة داخلية واختيار واعِ. وعلى الرغم من ذلك، قد لا تحدث المسامحة فورياً فقد تستغرق المسامحة وقتاً وجهداً؛ حيث تبدأ بالاعتراف بالألم، ثم معالجة المشاعر، إلى اتخاذ القرار بالمصالحة، وقد تحدث المصالحة وتظل المسامحة صعبة، خاصةً فى حالة الأخطاء الشديدة والشعور القوى بالظلم.
أما التسامح فهو حالة إنسانية جمعية تسم مجتمعًا أو جماعة حيث تشير إلى قبول الاختلاف واحترام الآخرين المختلفين من أبناء مجتمع ما، خاصةً أن التسامح يعد واحدًا من أهم قيم رأس المال الاجتماعي، ذلك الرأسمال الذى يحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره وتواصل أبنائه. كما أن التسامح لا يقتصر على مجال العلاقات الاجتماعية، بل يمتد إلى المجال السياسى والثقافى والديني. لذلك يمتلئ التراث الشعبى للمجتمعات عامة، ولمجتمعنا المصرى خاصةً، بالعديد من الأقوال والأمثال التى تؤكد أهمية المسامحة مثل: «المسامح كريم»، «العفو عند المقدرة»، «فى العفو لذة لا تجدها فى الانتقام»، «المتسامحون أطهر الناس قلوبًا»، كما تزخر الأغانى الشعبية والعاطفية بالعديد من العبارات المؤثرة والدالة على المسامحة ومشاعر الحب تجاه الآخرين: «سماح ياأهل السماح.. أصل السماح طبع الملاح ويا بخت من سامح». وأغنية تامر حسني، التى دخلت موسوعة جينيس، لتأكيدها المسامحة والعفو وتحرير الذات: «اشتغل على نفسك خليه يتمنى ويحب كل الناس ويقدر ويسامح وأتمنى الخير للغير… ما تبصش للماضى كمل وامشى عادي، قلبك هو الأساس لو تقدر تسامح وتصفى النية». أو الأغنية التى تقول: «الله على الحب لما يطهر القلوب يملاها خير وطيبة ويغسلها من الذنوب».
فإذا كان التسامح مهمًا لتماسك المجتمعات واستقرارها، فإن المسامحة مهمة لتحرير الذات من قيود الماضى والانطلاق نحو المستقبل. كما أنها نافذة للروح كى يدخلها النور، فلا شيء مرهق للنفس البشرية مثل حمل الأحقاد والضغينة. لنعيد التفكير فى أهمية المسامحة فى حياتنا وفى تحرير ذواتنا وعلى رأى المثل: «يا بخت من سامح».
لمزيد من مقالات د. سامية قدرى رابط دائم: