-
من هى «شهيدة الحب» التى شغف بها طه حسين فى «تونة الجبل»؟!
ببصيرته لا بصره وقع عميد الأدب العربى فى هوى تلك الجميلة النائمة فى قبرها الرخامى البديع، بينما يستمع إلى قصتها أو بالأحرى مأساتها من تلميذه د. سامى جبرة الذى اكتشف لتوه آثار تونة الجبل، وهو يصف له ذلك الجسد النحيل المغطى بلفائف الكتان فى سكون وسكينة
كان د. طه حسين كعميد لكلية الآداب بجامعة القاهرة أول من دعم الحفائر الأثرية بأيدى مصريين ليقضى على احتكار الأجانب لها ..فكانت غبطته عظيمة بما حققه الآثريون المصريون وزادت غبطته تلك حين اكتشف قصة تلك الفتاة «إيزادورا» أو شهيدة الحب كما أطلق عليها .

مقبرة«إيزادورا» فى تونة الجبل
عاشت «إيزادورا» فى القرن الثانى قبل الميلاد لأسرة إغريقية كان أبوها حاكمًا لإقليم ما نعرفه اليوم بـ «محافظة المنيا» ..كانت تعيش مدللة فى قصر أبيها الشامخ فى مدينة أنتيوبولس «الشيخ عبادة « .لم يكن الحزن يعرف إلى قلبها سبيلا إلا عندما زار الحب قلبها يومًا أو بالأحرى حين زارها الحب الخطأ وفق قواعد المجتمع .
ذات صباح كانت فى شرفة غرفتها تنظر إلى صفحة النيل الهادئ العفى القادم لتوه من المنابع القريبة فى عمق القارة يتهادى فى دلال يتضاءل أمام دلالها ، فوقع ناظر «إيزادورا» على الضابط المصرى « حابي» .. سمرة بشرته وبنيته القوية وملامحه الوسيمة وطلته المختلفة جذبت أنظارها . فأخذت تبحث عنه كل صباح بينما تنظر من شرفتها أو تسير فى طرقات المدينة وهى تسأل .. من يكون ذلك الحارس الذى تدل هيئته أنه من العامة . كان «حابي» من مدينة «خمنو» الأشمونين حاليًا .. فتى يملك نظرة اخترقت قلبها فى ثبات، وفعلت فعلتها فى تلابيب الفؤاد فصاغ الحب وشاجًا غليظًا بين القلبين، فصارت ابنة الحاكم والحارس حبيبن ..

قصة سبقت قصة روميو وجولييت وقيس وليلى وكل قصص الأحبة التى دب فيها اليأس بعد الأمل وسكنها الخوف بعد أمان . لقد تسرب خبر العلاقة السرية بين الحبيبن إلى القصر، وعلم الأب بشأن تلك اللقاءات عند البحيرة، فمنعها من الخروج وشدد عليها الحراسة حتى ذبلت الفتاة من لوعة الفراق، فقررت أن تنهى ذلك العذاب وعزمت أمرها أن يكون النيل الذى شهد شغف حبها هو مقبرة لها ولذلك القلب الذى أتعبه البعد، فى ذلك اليوم ذهبت إلى اللقاء الأخير لترى «حابي» للمرة الأخيرة، وبينما استقلت المركب للعودة إلى البر الشرقى من النيل استدارت لتمنحه الابتسامة الأخيرة ثم ألقت بجسدها إلى النهر عله يكون رحيمًا بها فيبتلعها فى صمت ودون ألم .لم يعرف «حابي» ماذا يفعل ولم يعرف والدها كيف يكفر عما جناه ..انطلق يأمر الحراس بانتشال جثمان ابنته من النهر الذى كان كريمًا فلفظ جثمان العاشقة حتى يوارى ذلك القبر الذى بناه الأب المكلوم، وكتب على جدران المقبرة « أيتها الصغيرة الجميلة .. أيتها الطيبة البريئة والزهرة الناضرة التى ذبلت فى ربيع العمر ياملاكى الطاهر الذى رحل دون وداع» .

النقوش الفرعونية حملت الكثير من مشاعر الحب والغرام
ما إن استمع عميد الأدب العربى إلى تلك القصة المليئة بالشجن عن المقبرة رقم -1 فى تونة الجبل حتى تخيل مشهد «حابي» وهو يحمل الشموع إلى مقبرة حبيبته يومًا عابدًا مبتهلا، وربما التقى ووالدها مرارًا وتكرارًا فتبادلا نظرات اللوم والندم، والأب يتغلب على مأساته وهو يقول إن ابنته صارت إلهة تحمل اسم «زنبقة النيل » . دمعت عينا طه حسين من فرط التأثر وقرر أن يسكن هنا بالقرب من قبر العاشقة التى آثرت الموت على فراق العشيق ، وحقق التلميذ حلم أستاذه وبنى له استراحته الشهيرة فى تونة الجبل التى كتب فيها «دعاء الكروان » والتى قال البعض إنه استقهاها من قصة «إيزادورا» إلا أنه فى واقع الأمر استوحاها من أحداث حقيقية جرت فى مسقط رأسه فى مغاغة بالمنيا وتحديدًا فى قرية «عزبة الكيلو»

طه حسين فى أثناء زيارته لمقبرة إيزادورا
من أجلها تشرق الشمس
مع ذلك لم تكن «إيزادورا» أول قصص العشق فى التاريخ ؛ ففى مجلدات التاريخ المصرى القديم قصص تروى وتحكى عن علاقات الحب والهوى ..إنها قصة رمسيس الثانى الذى كتب على صفحة المعبد الذى أمر بنحته تكريمًا لزوجته نفرتارى «أنت التى من أجلها «تشرق الشمس»، وقصة المهندس العبقرى «سينموت» الذى دفعه الهوى أن ينحت معبدًا فى حضن الجبل كرس فيه اسم محبوبته الملكة حتشبسوت ، وقصة نفرتيتى التى آزرت زوجها أخناتون فى وجه الكهنة ورجال القصر وآمنت به ،وقصة الملك أحمس الأول الذى شيد معبدًا مهيبًا لزوجته أحمس نفرتارى ، وقصة الملكة «تي» تلك المرأة الآتية من عامة الشعب فشغف بها الملك أمنحتب الثالث حبًا فغير من أجلها القوانين ليتزوجها .
إنها قصص تشبه قصة الخلق الأسطورية لنهر النيل الذى فاض من دموع إيزيس حزنًا على محبوبها أوزوريس .. الحب الذى وصفه المصرى القديم ب «هبة السماء الذى تسكبه الطبيعة فى كأس الحياة لتلطف مذاقها» ، وأطلق لسانه بالشعر متحدثًا عن لوعة العشاق :
ماذا أقول لأمى وأنا أخرج من البيت
إلى من أذهب صباح مساء كل يوم
أسرتنى وقبضت على مهجتى بين يديك
رابط دائم: