فجأة ودون سابق إنذار أظلمت شاشة حاسبي!! الحافظة الصغيرة الملساء التى تحولت بمرور الوقت لأرشيف وذاكرة مساعدة تعيننى على استرجاع مادة لم تعد أى مساحات ورقية تستوعب حفظها ضربها فيروس لعين، فباتت أشبه بمريض الزهايمر الذى لا يمكن الحصول منه على إجابة أو رد فعل مهما حاولت.!!. فى غمار حيرة وتساؤلات عما ستسفر عنه محاولة استعادة ما حفظته ذاكرة حاسبي، باغتتنى مشاهد حفل أقيم عند سفح الهرم ..حملقت باحثة عن قمم الأهرامات الثلاث التى غيبتها حزمة ضوئية متراقصة على نغمات موسيقى ميتلك صاخبة، انتهكت جلال حرم لطالما طوقته هالة الأبدية ومشاعر الانبهار بعظمة البناء وبحضارة ظلت شاهدة على ما صار وما كان، يرسخهما فى وجدان كل من مر بعجيبة الزمان، صدى أصوات رخيمة يتردد فى الفضاء راويا قصة بناء الأهرامات وقد أبى الهول من صخر وحكايات عن الأجداد.. خايلتنى علامة استفهام مشاغبة ..فهل ثمة تشابه بين ما حدث لذاكرتى المساعدة وما التصقت به عينى قبل لحظات من مشاهد صاخبة أظنها أزعجت كثيرين غيرى وأكاد أجزم أنها أرقت عاشقة النيل وصاحبة أشهر دفاع عن حرم الأهرامات «د. نعمات فؤاد»؟! ..هل فى تلك المشاهد وغيرها ما يشى بتعرض ذاكرتنا الجمعية والوعى الجمعى المصرى لهجمة فيروسية مشابهة لذلك الفيرس الذى ضرب حاسبي؛ فمحا ما محا وفرغ مساحات يحاول البعض شغلها «بشخابيط وهلاوس» سمعية وبصرية تستهدف ما استقر فى وجدان المصريين بتغييب الوعى وتزييف التاريخ؟!
وبغض النظر عن نظرية المؤامرة، وإن بات من الصعب تجاهلها فى ظل ما نتعرض له من هجمة شرسة ومحاولات لطمس وتغييب الوعي!!، أظن أن عملية تجريف الوعى المشئومة، التى أدعى أنها أسوأ ما تعرض له الوطن عبر تاريخه الطويل، والأخطر من بين كل القضايا المنظورة أمام محاكمنا؛ نتحمل نحن المصريون جزءا لا يستهان به من مسئولية استمرارها!! فهذه الحالة التى باتت تهدد المجتمع المصرى ليست وليدة اللحظة؛ فهى محًصلة لعملية تجريف واستلاب للوعى اجتماعيا وثقافيا وسياسيا ودينيا، نتيجة الاستسلام لمفاهيم مبهمة والأخذ بظواهر الأشياء وإعلاء القيم المادية مقابل تهميش القيمة المعنوية وتبنى قيما لقيطة لا علاقة لها بجغرافية وشخصية المكان بحجة مسايرة العصر والتطوير!!.. وتتجلى عاقبة هذا الالتباس وإهمال ما ترسخ فى خزانة وعى المصرى أفندى طويلة، سواء على مستوى الأسرة أو المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والثقافية، فى الأخذ بمظاهر الجديد دون فهم لجوهره وتوظيفه فى قوالب جامدة لا تلائمه أو تتناسب مع العصر ولا شخصية مصر؛ مما يهدد بتجريف وعى تراكمى تناقله المصرى وحفظته جيناته على مر العصور، وبأن نصبح فريسة لأى فيرس ملعون يستهدف ثوابتنا التى حفظت للمجتمع المصرى تماسكه وصلابته على مدار التاريخ. والأمثلة كثيرة بدءا من التضارب فى تحديد مفهوم الوطن والانتماء وإثارة النعرات العرقية والطائفية واختلاق معارك وخلافات تتناقض مع قيم وتقاليد مستمدة من ثقافة النهر والسهل واكبها ظهور جرائم لم يعرفها مجتمعنا من قبل، والعبث بالموروث الثقافى غير المادى والتراث العمرانى وطمس ذاكرة المكان وهويته، والتحول لحالة أسفنجية ماصة لأى محتوى على شبكات التواصل الاجتماعي؛ وإن تدني، وتصديقه دون اعمال للعقل!!؛ الامر الذى بات يهدد بضرب منظومة التنشئة الاجتماعية والسياسات الثقافية والإعلامية فى مقتل وتعطيل دورها فى بناء الإنسان ونضجه روحيا وفكريا، وإفراغ كل جديد من مضمونه وتحويله لأداة للتدمير لا التطوير!!..
ورغم أن الفيروسات الدخيلة والداخلية لم تستطع بعد أن تمحو مخزون حضارة السبعة آلاف عام، أو أن تأتى على كل ما حفظته خزانة وعى المصرى أفندي، أظن أن استعادة المفردات التى شكلت وعيا تراكميا للمصريين وقراءة أوراق سطرها عشاق مصر مثل «د.نعمات فؤاد»، وتكاتف الجميع، بات فرض عين، لاستعادة الوعى بالذات ومقاومة الفيروسات ـ الظاهر منها والكامن ـ قبل أن تمحو كل ما حفظته الذاكرة الجمعية، مثلما حدث لحاسبى «المأسوف عليه»!!..
لمزيد من مقالات سناء صليحة رابط دائم: