عادة ما كان يقال إن القوة الاقتصادية تحتاج إلى نفوذ سياسى ليدعمها، ويسحبها بعيدا عن براثن المعوقات البيروقراطية والروتين الحكومي،وكثيرا ما سمعنا عبر التاريخ سواء فى العالم المتقدم أو النامى عن قصص لرجال أعمال قاموا بتعظيم إمبراطورياتهم الاقتصادية بعد أن نسجوا روابط قوية مع نخب سياسية مؤثرة.
الملياردير إيلون ماسك هو صاحب أحدث قصة تمثل عبرة لرجال أعمال آخرين تقودهم طموحاتهم الاقتصادية لاقتحام عالم السياسة بدهاليزه الثعبانية. فقرار ماسك تقليص دوره فى إدارة هيئة الكفاءة الحكومية ابتداء من مايو الحالى، وهى المهمة التى أسندها إليه صديقه الشخصى الرئيس الأمريكى ترامب بغرض خفض الإنفاق والتعامل مع تضخم الحكومة الفيدرالية،يمثل قرارا فارقا لرجل أعمال اختار الحفاظ على ثروته قبل أن تقضى عليها السياسة !
لم ينتظر ماسك طويلا وهو يتابع الخسائر الباهظة التى تكبدتها شركته (تسلا) لصناعة السيارات الكهربائية بسبب انشغاله الحكومي،حيث قدمت الشركة أسوأ أداء سوقى منذ عام 2022،بعدما هبطت أسهمها بنسبة 36%، ما أدى إلى خسائر تفوق الـ 460 مليار دولار،ليتخذ ملياردير التكنولوجيا قراره السالف اتساقا مع المثل الشعبي:ياروح ما بعدك روح !
البعض اعتبر أن ماسك دخل عالم السياسة بأداء يخالف أسلافه من رجال الأعمال فى تجارب سابقة عبر العالم، فهو صدامي،لا يهادن، بدليل أنه اشتبك مع ترامب ذاته بسبب اعتراضه على قرار الرسوم الجمركية،وفى طريقه لم يرحم وزراء الخارجية والنقل والخزانة وغيرهم،ولم يسلم مستشارو البيت الأبيض من لكماته السياسية الموجعة.
الرجل متسق مع ذاته،فهو إن كان يحتاج للسياسة لتعظيم تأثيره،إلا أن السياسة هى التى مدت يدها أولا،وكان عربون التعاون نحو نصف مليار دولار دفعها ماسك لدعم الحملة الانتخابية لترامب.الرجل لم يهتز له جفن وهو يحيل آلاف الموظفين الفيدراليين إلى التقاعد،ويبعث برسائل إليكترونية لأقرانهم يطلب فيها كشوف إنتاج لعملهم،واعتبر عدم الرد على الرسائل بمثابة استقالة،لكنه مع أقرب خسارة تلحق بثروته أصابه الذعر،فطلب بنفسه تقليص نفوذه السياسى تمهيدا ربما لطلاق نهائى مستقبلا،فكفة الثروة تعلو أما النفوذ السياسى فهو متاح عند الطلب !
[email protected]لمزيد من مقالات شريف عابدين رابط دائم: