دائما ما تستهوينى المقارنة بين عالم البشر وعالم الحيوانات والحشرات، وكثيرا ما احترت أمام سؤال هل نحن البشر نشبههم أم هم من يشبهوننا؟! رغم أن هذه الأطروحة ربما تكون غير ملائمة للبعض فإننى حين أرى سلوكا معينا من قطتى مثلا فهى عندما تريد اللعب معى تختبئ وراء الستارة وتظن أنى لا أراها، وكذلك الأطفال عندما تلعب معهم يفعلون نفس الشىء (الاختباء وراء الستارة) وتزداد حيرتى عندما يأتى القط أو الكلب مثلا بسلوك كله حنان وحب لصاحبه، حين يجلس بجانبه لا يفارقه وهو مريض يشعر به ويتألم لألمه رغم أنه لا يستطيع التعبير عن مشاعره بالكلام، أو عندما تملأ الدموع عينى الكلب عندما يلتقى صاحبه بعد طول غياب ، وهكذا تصرفات وأفعال كثيرة أقف أمامها حين أرى قسوة الإنسان على أخيه أو أمه أو أبيه ومجافاتهم، فكيف يكون الإنسان الذى كرمه الله بالعقل والقلب والفؤاد والإدراك بهذه القسوة مقارنة بهذا الحيوان .
أتساءل وأتعجب وأعود لنفس السؤال من يشبه من ومن يتعلم مِن مَن؟!، حتى جاءنىَ الرد من العالم مارك موفيت فى كتابه «السرب البشرى» الذى يرى أن المجتمعات البشرية ومجتمعات الحشرات والحيوانات أكثر تشابها مما نتوقع أو نتخيل أو نود.
أشعر بخجل أمام النمل تلك الحشرة الجبارة التى عندما تتعرض جموع النمل للحصار تتجمع فى دائرة ضخمة وتقودها النملة الأولى لحماية المجموعة كلها، ألسنا نحن بنى الإنسان أصحاب الدم الدافئ والقدرة على الرضاعة والشعر والجلد والتكريم من الله الذى خلقنا وصورنا فى أحسن صورة، ألسنا أولى بأن نجتمع ونتحد عندما نتعرض لعدوان أو خطر وندافع عن بعضنا بعضا، عموما ليس هذا موضوعنا ولكنه الوجع الذى يلازمنى نتيجة فرقتنا وتمزقنا.
وجع آخر يهزم المجتمع البشرى عندما تقارن ترتيب الأدوار فى مجتمع النمل فترى النمل الشاب هو من يقوم بالعمل الشاق يحمله عن كاهل النمل الكبير، بمعنى آخر الحفيد هو من يخدم الجد وليس العكس كما يحدث فى عالمنا البشرى.
كنا فى الماضى نتشابه مع النمل فى هذا الأمر، نحن نتشابه مع النمل فى التوصل إلى حلول مختلفة للمشكلات العامة، ولكنهم سبقونا إلى حل لوصول الطعام لسكان فى العالم لا يستطيعون الخروج للبحث عنه، مثلا فى العالم البشرى يقود الإنسان السيارة على يسار الطريق وفى أنحاء أخرى من العالم على يمين الطريق، فى مستعمرات النمل الذى يسمى النمل النهًاب فى آسيا تمر الحشرات الداخلة إلى المستعمرة فى مركز الطريق فى حين يتخذ النمل الخارج مسارا على الجانبين، أى أنهم يسيرون فى ثلاثة مسارات لم تطبقها البشرية حتى الآن ، لذلك فإن مستعمرات النمل لا تشكو الجوع، فالسلع والخدمات تصل إلى الأماكن المناسبة وعلى نحو آمن وكفء.
من مقال سابق لى رأيت أننا فشلنا فيما نجحت فيه الحشرات والحيوانات، فالنمل يبنى بيوته منذ خلقه الله مستخدما مادة بناء خاصة به من الطين الموصل للحرارة، والأرانب البرية تجعل فتحات ومداخل بيوتها حيث مصدر الشمس حتى تتلقى أكبر قسط من أشعة الشمس المباشرة، وأن علينا التعلم منهم مهاراتهم الفائقة فى تصميم بيوتها وتغيير مواقعها لتناسب طبيعة حياتها وحياة صغارها وغذائها، استطاعت هذه الكائنات بناء مدن للشمس وفشلنا نحن البشر.
الغريب هو وجه الشبه بيننا وبين حيوان الشمبانزى فى أنه يفكر مثل البشر وهو يستعمل الأغصان لينصب فخاخا للنمل الأبيض، يشبهنا أيضا فى طريقة تعامله مع الصراعات، فمثلا يحقق بعض الأفراد نفوذا من خلال امتلاكهم للعضلات فى حين يعتمد آخرون على أدمغتهم فأنثى الشمبانزى تستطيع أن تمنع ذكورا غاضبين من استعمال حجر فى معركة عندما تسير نحوها وتأخذه منها.
يقول العلماء إن الشمبانزى يعرف نفسه فى المرآة ومثله تفعل الدلافين والفيلة .
رغم كل ذلك ورغم ما يقال عن تشابه مجتمعاتنا ومجتمعاتهم فإن البشر تمكنوا من إقامة المجتمعات والمحافظة عليها بأحجام وتعقيدات لا مثيل لها فى عالم الحيوان، وفى الختام علينا تأمٌل قول الله تعالى « ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا».
لمزيد من مقالات سهيلة نظمى رابط دائم: