رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

حول الفن والأخلاق

الفن كما هو معروف قديمًا قدم الحياة الإنسانية وأن أى استقصاء حول تقدم الإنسان سوف يخبرنا بأنه فى البداية كان الفن، وكان الفن هو الحياة، وكانت الحياة هى الفن. فقد عرف الإنسان الرسم قبل الكتابة، والغناء قبل الكلام، والرقص قبل المشي، لذلك كان الفن أحد تجليات الحضارة الإنسانية مثله مثل الدين واللغة والعلم، كما أنه مؤسس للأخلاق وأصل لما كل شيء جميل فى المجتمع. فالفن يساعد الإنسان أن يتنفس، أن يقاوم، إن ينجح، أن يعيش بصحة نفسية، وأن يثق بنفسه حتى فى أصعب الظروف. «فالحياة، كما ذهب فولتير، تشبه حطام سفينة، لكن علينا ألا ننسى أبدًا أن نغنى فى آثناء ركوبنا قوارب النجاة». انطلاقًا من هذه الحقيقة، قدم لنا المفكرون والفلاسفة على مر العصور رؤى خصبة ومضيئة تؤكد لنا المعنى الأخلاقى للفن فى حياة البشر والمجتمعات.

إذن، فثمة علاقة تاريخية بين الفن والأخلاق تدور هذه العلاقة حول المضمون الأخلاقى للأعمال الفنية، على اختلافها، وارتباطها بقيمة الفن وأنه لابد أن يتم تقييمه على أساس أخلاقي، وأن المضمون الأخلاقى معيار أساس لتقييم الفن والفنان، خاصةً أن أحد أدواره هو نقل القيم الأخلاقية للمجتمع. لقد نعت الفن «بعلم الجمال» فهو علم لأنه جهد بشري، وجميل لكونه جذابا وذو قيمة، كما أنه يحرر الإنسان من قيوده ويحلق به فى عالم يسمو به ويخرجه من دائرة الخوف والقلق الذى قد يشعر به فى حياته، كما قال نيتشه: «لنا الفن حتى لا تقتلنا الحقيقة» أو كما ذهب الفيلسوف الألمانى هيجل عن الدور الأخلاقى للفن: «العالم الفنى يبنى عالماً ويمهد الأرض».

إن ما دعانى لكتابة هذه المقدمة الطويلة حول دور الفن فى بناء المجتمعات، وعن العلاقة بين الفن والأخلاق هو الجدل الذى أثير حول رقصة الممثل المصرى محمد رمضان فى أمريكا مرتديًا ملابس رقص نسائية، مدعيًا بأنها مستوحاة من التراث الفرعوني، وأن من قامت بتصميمها مصممة أزياء مصرية بهدف الدعاية لمصر ورفع اسمها أمام العالم، وربما ذلك ما دعاه إلى رفع علم مصر بعد انتهائه من الرقصة المثيرة للجدل. الواقع أنها ليست هذه المرة الأولى التى يثار فيها الجدل حول ما يقدمه محمد رمضان من أعمال أعتقد أنها لا تمت للفن ودوره كما هو مشار إليه فى أول المقال. فعلى الرغم من أن هناك اتجاهات فنية على مستوى العالم قد انحرفت بعيدا عن الدور المهم والتاريخى للفن، مثل الموسيقى التى تحمل دلالات جنسية، أو الموسيقى الخليعة التى تعزف فى الأماكن المشبوهة، أو الموسيقى الشعبية التى تصاحب أغانى المهرجانات... وغيرها من الفنون التى نحت منحى أبعدها عن الكفاءة الفنية والدور الثقافى الذى يسهم فى إثراء الحياة.

والسؤال الذى يطرح نفسه: هل محمد رمضان هو المسئول الأول عما يقدمه من أعمال؟ أم هى طبيعة مرحلة تاريخية أضحى كل شيء فيها خاضعاً لآليات السوق ومتطلبات العصر ولغته الفنية وأهمها «ركوب الترند» وتحقيق نسب أعلى من المشاهدة، ومن ثم الشهرة على حساب الذوق العام والأخلاق؟ الواقع أنه كلاهما المسئول عما نحن فيه، فالفنان الذى يحترم فنه وجمهوره عليه ألا يسير وراء آليات السوق، وألا ينزلق إلى مستوى غير مقبول من الجمهور العام الذى لا يروق له مثل هذه الأعمال. وأخيرًا أنا لست مع الرأى الذى يذهب إلى أن الممثل يفعل مايشاء ويرتدى ما يشاء، لأن التشخيص يتطلب ذلك. معذرة لأصحاب هذا الرأي، ما فعله محمد رمضان ليس تشخيصاً بالمعنى الفني، فقد قبلنا فنانين من الرجال شخصوا أدوارًا نسائية وسعدنا بهم، وفنانات تقمصن أدوار الرجال وأبدعن فى ذلك ولم نشعر كمشاهدين بأى غضاضة فى ذلك. ناهيك عن تمثيل دولة بحجم مصر ورفع علمها فى دولة أفسدت دولًا.

--------------

أستاذة علم الاجتماع


لمزيد من مقالات د. سامية قدرى

رابط دائم: