رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الكولونية الرقمية.. استعمار المعنى وساحات الصراع

قبل أسبوعين فى الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس شركة مايكروسوفت فضحت المغربية (إبتهال أبو السعد) المبرمجة بالشركة جريمة دعم ميكروسوفت جرائم الاحتلال الإسرائيلى عبر تزويد جيشه بالتقنيات والسيرفرات وخدمات Azure، التى تستخدم فى جرائم الإبادة منذ أكثر من عام ونصف العام!!. تزامن ذلك مع نشر وثائق فى مجلة تصدر عن الجارديان ميديا جروب البريطانية ومجلة إسرائيلية معارضة، كشفت ان الشركة قدمت خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعى والدعم الفنى والاستشارات التقنية وتحليل البيانات ومراقبة سجلات سكان الضفة الغربية وغزة. كما كشف نفس التقرير أن ميكروسوفت قدمت خدمات لجيش الاحتلال بقيمة 19000 ساعة خدمية؛ تضمنت تسهيل التجسس الالكترونى وتحليل الصور والخرائط الجغرافية. كذلك فقد أثبتت عدة دراسات ظهرت أخيراً أن شركة ميتا بلاتفورمز ـ Meta Platforms ـ التى تمتلك فيسبوك وواتساب وماسنجر وثريدز، قد حذفت وقيدت محتوى وحسابات من الشرق الأوسط لنشرها منشورات مؤيدة لفلسطين عام 2021، وتكرر الأمر منذ 7 اكتوبر 23، بحذف وتقييد الحسابات والمحتوى والفيديوهات التى وثقت عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، وتقليل ظهور محتوى المستخدمين العرب!!.

والحقيقة أنه بقدر ما تنسف البيانات السابقة المفهوم الشائع عن حرية مشاركة المعلومات على الإنترنت، تطرح تساؤلات حول اختزال الحدث وتلوينه والسيطرة على مساحات الصراع السياسية والاجتماعية، وإذا ما كانت السيطرة التكنولوجية قد أدت عمدا أو بصورة عفوية لخلق ثنائيات جديدة، تختلف عن ثنائية التضاد التقليدية بين روحانيات وغموض الشرق ومادية وحضارة الغرب فى الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية؛ إيذانا بميلاد نوع من الكولونية الجديدة، هدفه النهائى اصطناع حقائق مبنية على اختزال الفرد وكل ما يدور حوله على الأرض!!

فى ورقتها البحثية «النساء لسن مجرد كائنات سيبرانية»، التى نُشرتْ فى مارس الماضى فى (Q 1 Journal) وتناولت فيها الباحثة «د. هبة مصطفى الصغير» سرديات ومحاكات النساء اللاتى يعشن تحت الاحتلال، عرضت الباحثة لدور منصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها باتت أداة تُراقَب من خلالها المعلومات والأفراد، عبرعمليات تصنيف، وتشفير، إلخ، مما يسهل التلاعب بها واختزال الحدث وتلوينه. وأوضحت أن كل حركة على الشبكة تُسجل فى عدد لا يحصى من المواقع المختلفة، لتصبح معلومات يتم سردها واعادة بنائها؛ بما يضمن التحكم فى المعلومة وبث معان تناسب قيم ومصالح بعينها وتوزيعها، فى عملية تختزل أوجه التشابه حتى داخل الاختلاف فى الصراعات السياسية والاجتماعية من قبيل عدم ادراك اوجه التشابه بين النساء الفلسطينيات والنساء الغربيات فى النضال ضد الاضطهاد وإن اختلف الظرف والمكان.

فى ظل هذا الاختزال، الذى يحول المستخدمين والحقائق المادية إلى معلومات مُرتّبة يمكن التلاعب بها وتوجيهها؛ فيما يبدو اشبه بكولونية جديدة رقمية، يتم استبدال الثنائيات التقليدية وتراتبية البشر غربا وشرقا فى الخطاب الاستشراقى الكلاسيكي، بثنائيات متضادة تتمثل في: من يمتلك التقنية التكنولوجية ويطورها مقابل من يستهلكها فقط، الفرد ككيان واقعى حى مقابل صورته ككيان سيبرانى افتراضي، الواقع على الأرض مقابل سرديات ومحاكاة يصعب التحقق منها تختزل البشر، مستهدفة التأثير عليهم لاحقًا لاتخاذ مواقف وتبنى رؤى بعينها؛ الأمر الذى تجلى فى الكيل بمكيالين يوم أعتبرت عضو الكنيست الإسرائيلية «ميراف بن آري» أطفال غزة غير مساوين لأطفال إسرائيل ولم تستطع عضو الكنيست أن تُدرك أى تشابه بينها كامرأة وأم، وبين النساء والأمهات الفلسطينيات وفى رؤية المستخدمين لهجمات إسرائيل، إما كقصة دفاع مشروع عن النفس أو كهجوم غير متناسب على المدنيين فى غزة يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية ، وعند اختزال معاناة المرأة الفلسطينية وكل ضحايا الحروب لصور افتراضية معزولة عن واقعها.

المؤسف أنه بمرور الوقت وعبرخوارزميات هذه المنصات قد يتحول الفلسطينيون وكل مقهور مضطهد أو حتى مجرد مستهلك تكنولوجيا، لا يصنع المعلومة اويمتلك آلية التحكم فيها وبثها، لمجرد صور رقمية افتراضية ومحاكاة بأرواح مزعومة، بعد أن تاهت هوياتهم الأصلية ومعاناتهم واحلامهم الحقيقية فى فضاء كولونى رقمي..


لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: