-
برنارد شو تحامل عليها وأحمد شوقى أنصفها
-
شكسبير صورها على أنها محظية وملكة مثيرة ورائعة
حب وحرب، صفو وكدر ، وصراع على عروش ، دراما متكاملة الأركان فى ظرف زمنى دقيق أبطاله اثنان من أعتى قادة روما فى زمنهما : يوليوس قيصر وأنطونيوس وثالثتهما الملكة كليوباترا البطلمية الأصل مصرية النشأة والهوى الجالسة مع شقيقها وزوجها بطليموس على عرش مصر وطموحها الجارف يحفزها للانفرد بالعرش دونه ، وفتنتها سلاح آخاذ يمكنه أن يأسر أقوى الرجال ، فتنة اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء .
إنها بلاشك حبكة تاريخية تشبه قصص الأساطير ولهذا أغرت الأدباء فتناولوها شعرا ورواية ومسرحا؛ فكتب الفرنسى إيتين جوديل عام 1552 م «مأساة درامية». ثم كتب ويليام شكسبير مسرحيتيه «يوليوس قيصر» و«أنطونيو وكليوباترا». كما كتب الفرنسى جان ميريد «مارك أنطونيو وكليوباترا» 1635،و«جون درايدن» كل شيء من أجل الحب « 1677 . وكتب فاليرى «كليوباترا» 1775 ، وجورج برنارد شو «قيصر وكليوباترا».

أحمد شوقى
ثم ألف أمير الشعراء أحمد شوقى مسرحيته الشعرية «مصرع كليوباترا» .1929 ، وكتب توفيق الحكيم «بعد الموت» وكتب الدكتور أحمد عتمان «كليوباترا تعشق السلام».
بين كل الزخم الأدبى تبقى مسرحيات شكسبير وشوقى وبرنارد شو الثالوث الأهم خصوصا مع الاختلافات الحادة بين الأعمال الثلاث فى تناول شخصية كليوباترا السابعة آخر ملوك الأسرة المقدونية والتى أحبت يوليوس القيصر العجوز الذى ساعدها فى الجلوس على عرش مصر بمفردها ثم عشقت أنطونيو وأخيرا قتلت نفسها بالسم بعد انتصار غريمه أوكتافيوس فى موقعة أكتيوم البحرية 30 ق.م .
يرى النقاد أن كتابات «بلوتارك» المؤرخ الرومانى أول من خط تاريخ كليوباترا ، كانت المنبع الذى استقى منه الكاتب الإنجليزى وليم شكسبير«1564ــ 1616»، تصوراته وهو ما يؤكده الناقد لويس عوض مستشهدًا بشيء من هجوم بلوتارك على الملكة كليوباترا «لقد كتب أفلاطون إن هناك أربعة أنواع من الرياء ولكن كليوباترا قسمته إلى عدة أنواع ، فإنها سواء بالمزاح أو بجد، تفننت فى إبداع متع متنوعة لإبقاء أنطونيو تحت سيطرتها .كانت لا تتركه ليل نهار يغيب عن ناظرها ، فهى تلاعبه النرد وتشرب معه وتخرج معه للصيد».

ويليام شكسبير
وهكذا صور شكسبير الملكة البطلمية كامرأة لاهية .. مجرد محظية وملكة مثيرة ورائعة فى لونها البرونزى ذات نزوات متهكمة ولئيمة ، امرأة غادرة لا تعرف الوفاء ولا ترعى العهود ؛ففى مشهد النهاية نجده يقول على لسانها» ما أنا إلا امرأة يحكمها الحب البائس الذى يحكم أضعف بنت تحلب الأبقار» . وحين عاد أنطونيو إلى روما وتزوج من أخت أوكتافيوس، تقول كليوباترا :«ألا فلتبتلع مصر أيها النيل وليتحول أهلها الودعاء إلى أفاع سامة «. وحين يزداد موقف أنطونيو حرجًا، تصلها رسالة من قيصر يعرض عليها التخلى عن أنطونيو فتقبل كليوباترا قائلة: «إنها على استعداد لتضع تاجها عند قدميه».
دفاعًا عن الملكة
على النقيض تماما من رؤية شكسبير، جاءت رواية «مصرع كليوباترا» 1929 ، لأمير الشعراء أحمد شوقى «1886ــ 1932» الذى ارتدى ثوب المحاماة عن كليوباترا ، مؤكدا على وطنيتها ومصريتها من واقع أن أسرتها حكمت مصر لمدة ثلاثة قرون هى عمر الدولة البطلمية . وكما يقول د. على الراعى «اختار شوقى ما بعد موقعة أكتيوم زمانًا لمسرحيته وفرض على نفسه الدفاع عن ملكة مصر ضد تقولات أعدائها من الرومان ومؤرخيهم وحاول جاهدا أن ينفى عنها أنها أنثى أفنت العمر بالهوى بل كانت بصدد مهمة وطنية كبرى هى الذود عن مصر « فنجد شوقى يقول على لسان كليوباترا :
دع الذود عن مصر لي
إننى أنا السيف والآخرون العصا
وقد رأى عدد من النقاد أن مسرحية شوقى إنما جاءت إفراز لطبيعة المرحلة التى علا فيها الاتجاه نحو تكريس الهوية الفرعونية لمصر خصوصا بعد اندلاع ثورة 1919 ثم اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون . ولذا بالغ شوقى فى تقديم كليوباترا كامرأة مثالية فصيحة شاعرة ولوعة بالقراءة

جورج برنارد شو
فتاة عابثة
جورج برنارد شو الكاتب الأيرلندى «1856ــ 1950» فى مسرحيته «قيصر وكليوباترا»1898، لم يجد فى كليوباترا سوى فتاة لاهية عابثة ، مراهقة لا تجيد سوى لعبة الحب ، وقد استهل مسرحيته بمشهد خيالى للإله رع يخاطب المشاهدين: «رع : صمتا صمتا اسمعوا وعوا أيتها الأقزام الغريبة أعيرونى آذانا صاغية واعلموا أن رع لحظة» أعرف أنكم لا تستطيعون الركوع أو السجود لأنكم محشورون فى صفوف تقيد حركتكم وأنا لا أطلب منكم أن تعبدونى ولكنى آمركم بالسكوت ؛ فقد جئت لأعود بكم إلى أكثر من ألفى سنة إلى الوراء .
أيام كان الناس يعبدونى كانت هناك روما القديمة كانت فقيرة وصغيرة فنهبوا ضعفاء البلاد الأخرى وضموها إليهم حتى تكونت روما الكبيرة مترامية الأطراف والآن هل تريدون المزيد أم تفضلون النوم بينما يتكلم إله مثلى».
فلسفة الحكيم
إن المسرحيات الثلاث السابقة تبين أن تاريخ كليوباترا ينبغى أن تعاد قراءته فى ضوء الحقائق التاريخية الموضوعية وهو ما تبناه توفيق الحكيم فى مسرحيته «لعبة الموت»، حيث صور مؤرخ خمسينى يجلس فى جناح فاخر بأحد الفنادق وقد استدعى فتاة تدعى كليوباترا التقى بها فى إحدى الملاهى حيث كانت تعمل راقصة ويوصى لها بثروته بمجرد وفاته وحين تبدى دهشتها يفاجأها أن السر يكمن فى اسمها ..ويظن الرجل أن الفتاة ستتعجل وفاته لكنها على العكس من ذلك تقوم بتمريضه حين يمرض ويكتشف فى نهاية المطاف أنه أساء الظن بها، وتدور بينهما حوارات عن الحب وكيف كان يجب على كليوباترا ألا تفتح قلبها لأنطونيو بعد قيصر .
رابط دائم: