رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

التليفزيون.. وخطف الشواشى!

على العكس من الأجيال المتقدمة فى السن، الذين تربوا على قراءة الكتب بهدوء وتمعن ورويّة، فإن أجيالنا الشابة، التى تربّت وترعرعت على مشاهدة التليفزيون، تعانى مشكلات تفكيرية عديدة. (تنويه.. إن التليفزيون ليس المقصود به هنا فقط تلك الشاشة المستطيلة المعلقة فوق جدران المنازل والمقاهى وفى حدائق الأندية، بل هو كل جهاز يقدم مواد بصرية، كالموبايل والكمبيوتر واللاب توب والآى باد وغيرها).

طيب، ماهى يا تُرى أزمة طريقة تفكير من اعتادوا المشاهدة البصرية حتى أدمنوها؟.. خُذ عندك: أولا، إن التليفزيون، أو المادة الفيلمية المتلفزة، لقطاته سريعة خاطفة لاهثة، والمشاهد فيه متلاحقة، مما يحول بين العقل والهضم البطىء الرصين المتأنى. إن العين حلَّت محل العقل فباتت هى التى تفكر، واسترخى العقل فأخذ إجازة طويلة. وأين المشكلة؟..

إن المشكلة هى أن تفكير مدمنى مشاهدة التليفزيون سيكون على طريقة خطف الشواشى!

إننا، عندنا فى الريف، نزرع الذُرة، وللذرة كُوز، وللكوز شوشة، هى تلك الخيوط أو الألياف الناعمة كالحرير التى تفصل بين الثمرة وغلافها، ويقال للشخص سارق الكيزان بسرعة ولهوجة خاطف الشواشى.

وبطبيعة الحال، فإن الذين يخطفون ثقافتهم من التليفزيون ليسوا لصوصًا، إنما المقصود أن طرائق حكمهم على الأمور سريعة متعجلة، بينما التقدم الحضارى يقتضى التريث والصبر والتركيز.

وثانيا، أن المادة المتلفزة تعتمد على اختزال الوقت، وكلما كانت الفقرة أكثر اختزالا واختصارا، جاءت أنجح ويرحب بها المنتجون. انظر إن شِئت إلى نشرات الأخبار، أو الإعلانات، أو حتى المسلسلات والأفلام، وستجد أن المشاهد المطولة الممتدة مكروهة وتثير التأفف. إن الاختزال يعنى قضم المعلومات والبيانات والحقائق قضمًا.. مع احتمال الضحك على الأذقان والبلشفة والاستغفال.. (وربما تزييف الوعى لمن هو غافل!).. وهكذا يكون تفكير الجالسين، المبحلقين أعينهم والمبحلقات، هشًّا تافها خالىَ الدسم.. (فحذارِ من التغفيل!)

وثالثا، فإن أغلب برامج التليفزيون تسعى لتقديم التسلية والترويح عن الأنفس القلقة المجهَدة المتعبَة، وطبيعى جدا أن المتلّقى المدمن التسلية، والإنترتينمينت، سينشأ على تصور أن الحياة ميسورة سهلة ولذيذة كما يراها على الشاشة، بينما الحياة الحقيقية جادة صعبة شاقة يتحتم معها بذل الجهد والعرق والسهر والتعب كى نتطور. إن التليفزيون للأسف غالبًا ما يعلمنا (الرحرحة)..!

وبالمناسبة، هل هى مصادفة أن ألذ الفيشار هو ما نزدرده ازدرادا أمام الشاشة؟.. وعلى فكرة، إن الفيشار هو أصلا من الذُرة أبى الشواشى!

وأما رابعا، فإن التليفزيون، ولأنه يدخل إلى كل بيت، فإن عليه رقابة، وتختلف درجة الرقابة باختلاف قِيَم وعادات المجتمعات، وهى مطلوبة للحفاظ على التقاليد، وعلى الأمن القومى للبلد، ومع ذلك فإنها تظل رقابة، فإن هى زادت على حدها انقلبت إلى ضدها، وصارت قيدا على الإبداع والعقل والسير إلى الأمام بِحرية.

.. ونصل الآن إلى الخلاصة. ما هو المطلوب بالضبط يا أبا العُريف؟.. المطلوب يا أذكى إخوتك أن نقلل من غلواء إقبالنا على كل ما هو مرئى، وأن نعود، نحن وصغارنا، إلى ممارسة عادة القراءة، لأن القراءة هى التى تعلمنا التفكير العلمى النقدى الانتقادى.. وكفانا خطفا للشواشى يرحمنا ويرحمكم الله.


لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: