-
إرادة الله هى التى رسمت طريقى فى الحياة
-
رغم التطورات الطبية إلا أن زيادة أعداد الطلاب ونقص التمويل وهجرة الأطباء أهم التحديات
-
لا تستقيم حياتى دون أن أتعلم شيئا جديدا كل يوم
تبقى الركيزة الأساسية للتفوق في كل ميادين العمل هى الرؤية الثاقبة والنظرة للحياة من خلال منظورىّ الثقافة والعلم، وتتأكد هذه الحقيقة من خلال الحوار مع الدكتور جلال السعيد أستاذ أساتذة طب القلب الذي يتحاشى الأضواء ويكره الحديث عن نفسه مع أنه أيقونة طب القلب في مصر والعالم، وصاحب رؤية خاصة وثاقبة فى الحياة والطب والثقافة.
ود. جلال السعيد هو أستاذ ورئيس قسم القلب سابقا بجامعة القاهرة، وزميل وأستاذ مساعد سابق بقسم أمراض القلب بجامعة بايلور هيوستن- تكساس، وزميل الكلية الملكية بجلاسجو، وزميل الجمعية الأمريكية لأمراض القلب، وحاصل على جائزة الدولة التشجيعية، وجائزة الدولة التقديرية، وجائزة الرواد، وجائزة جامعة القاهرة التقديرية.
وفى حوارنا مع د.السعيد، يقول: «إن إرادة الله هي التي رسمت لي الطريق .. وإن هذا الطريق هو شفاء الأجسام السقيمة في أهم عضو من أعضاء الجسم.. لقد صنع القدر دوراً مهماً في حياتي».
لكن القدر ليس قوة عمياء تجبر الإنسان علي السير معصوب العينين إلى مصير محتوم إنما القدر توليفة تفاعلية بين إرادة الله العليا وإرادة الإنسان فإذا تلاقي الاثنان في قلب شخص ذي عزيمة صلبة وحب للإنسانية فإنه يكون قادرا على تحقيق المعجزات.. وهذا نص الحوار

د. جلال السعيد
دكتور جلال، أنت رجل علم كبير وكرست حياتك لعلاج المرضى وتخفيف آلامهم، فما الذي دفعك إلى أن تكتب وتنشر مسيرة حياتك، وما هو الغرض الحقيقي وراء هذا الكتاب الذى عنونته «اسمى جلال السعيد وتلك حكايتى»؟
أحب في البداية أن أؤكد أن إرادة الله هي التي رسمت لي الطريق .. وأن هذا الطريق هو شفاء الأجسام السقيمة في أهم عضو من أعضاء الجسم، أردت أن أنقل هذا المعنى، وأن أنقل تجربتى للشباب خصوصا شباب الأطباء الذين قد يصيبهم اليأس فى بعض الأوقات.
لقد رسم القدر دوراً مهماً في حياتي ، كان والدي من رجال التعليم الأوائل بالمنصورة كان يحملني إلى عيادة «الحكيم مشرقي» الذي كان له الأثر الكبير مع والدى في تحديد مستقبلي.. كنت في بداية حياتى ضيفا مستديما على عيادة «الحكيم مشرقي» حيث كان المرض يلازمنى ويصارعه جسدى الصغير.. ومع كل زيارة يتسرب شيء من سحره إلى نفسي.. وفي كل زيارة راح إعجابي بمهنة الطب عامة والحكيم مشرقي خاصة يتصاعد، كان قدري أن أولد مريضا والذي يقوم بعلاجي الحكيم مشرقي.
هل يعنى ذلك أن اختيارك لمهنة الطب كان مبدئيا منذ طفولتك بالمنصورة؟
قضيت معظم سنوات نشأتي في المنصورة باستثناء فترة بسيطة قضيتها في بور سعيد برفقة والدي الذي انتدبته وزارة المعارف ليعمل علي إنشاء إدارة تعليمية بها .
وبحكم الصداقة بين والدي والحكيم مشرقي كانت وجهة نظر الوالد أن ألتحق بكلية الزراعة لأن كلية الطب شديدة الصعوبة وتحتاج لمجهود كبير، لكني صممت علي الالتحاق بكلية الطب وارتبطت بالأب الروحي سنوات طويلة.
وبعد وفاة والدي الذي كان يدعمني طول حياتي، كان أخي صلاح له دور في حياتي منذ كان في كلية الطب والذي شملني بعناية فائقة كان مثلي الأعلى.

د. جلال السعيد مع جراح القلب العالمى د. مجدى يعقوب
ماذا عن السر فى اختيارك لتخصص أمراض القلب؟
مرة أخرى كان للقدر دور مهم في حياتي، فقد كنت مصمما على ان أكون جراحا حتى شاءت الظروف أن التقى الدكتور عبد العزيز الشريف الذي نصحني بأن أكون طبيبا لأمراض القلب، وليس جراحا للقلب . ولم يكن الدكتور عبد العزيز المثل الأعلى الوحيد في حياتي بل كان أيضا الدكاترة محمد إبراهيم، وعلي سرور، وزكي الرملي، وروبير طرزي، ويحيى سعد الذين تعلمت منهم القيم والأخلاقيات بخلاف مهنة الطب.
وعاد القدر ليصنع دورا مهما في حياتي عندما تقابلت مع الدكتور سامح همام الذي أدخل جراحة الأوعية الدموية والذي نصحني بأنه لابد من سفري للخارج وبدأت في مخاطبة أحد المشاهير في عالم الطب الدكتور ماكنمارا الذى كان له أيضا دور في حياتي، وأنه لولا السفر وتطوير الذات بفضل نصائح ماكنمارا كنت سأظل دوما في تلك الدائرة المغلقة من الإحباط والحزن.
هذا عن دور القدر فى حياتك العملية.. فماذا عن دوره فى حياتك الشخصية؟
عاد القدر ليتدخل مرة أخرى في حياتى إيجابيا بلقائى الدكتورة عبلة المشد زوجتى التي كان لها دور مهم في حياتى، وهي الصورة الأخرى من والدتى والتي شاركتنى رحلة الحياة واحتوتني وشاركتني طموحاتي في عالم القسطرة القلبية، ودفعتنى عبلة بكل قوتها للسفر للبروفيسور ماكنمارا الذي رحب بى للدراسة والعمل في أمريكا.

د. جلال السعيد فى أثناء تكريمه من الرئيس الأسبق حسنى مبارك
د.جلال.. يبدو أنك لا تنسى أبدا أصحاب الفضل رغم مرور السنين؟
لا أستطيع أن أنسى أبدا ما فعله أساتذة عظماء معى، مثل الدكتور علي سرور رئيس القسم في ذلك الوقت، أو عندما سافرت لأمريكا لتلقي المرحلة الثانية من التعليم في حياتي على يد مجموعة من أشهر وأهم الأطباء والجراحين في العالم، مثل دان ماكنمارا الذى كان رجلا شديد الألمعية دمث الأخلاق ساعدني وتبناني كما لو كنت ابنه.
وبرغم عروض العمل كطبيب في أمريكا فقد آثرت الرجوع الى مصر وعندما انضممت لقسم القلب بالقصر العينى كان بدائيا وبسيطا بخلاف ما وصل إليه اليوم وكان هذا بفضل كتاب قرأته عن وجود طريقة مختلفة لتشخيص ضيق الصمام الميترالي عن طريق القسطرة لكنه يحتاج لمعدات غير موجودة في مصر. تلك الأيام كنا في مصر نعاني شحا شديدا في التكنولوجيا التي تتطور حول العالم، لكن تعلمت أن أكون طبيبا يستطيع بالصبر أن يصل للتشخيص ولذلك انبهر الأمريكان وعلى رأسهم البروفيسور ماكنمارا بقدراتى الإكلينيكية.
تطرقت كثيرا في كتابك إلى مشكلات التعليم في مصر وتحديدا مشكلات التعليم الطبي، فكيف يمكن أن نلخص المعضلة الحقيقية وراء تعليم الطب في مصر؟
رغم التطورات الطبية، إلا أن هناك تحديات نواجهها، أهمها زيادة أعداد الطلاب ونقص التمويل وتحديث المعدات وهجرة الأطباء إلى الخارج بحثا عن فرص أفضل مما يقلل من عدد الكوادر المؤهلة، ورغم ذلك تسعى مصر لتعزيز التعليم الطبي مما يحسن بيئة العمل للأطباء للحد من هجرتهم.

د. جلال السعيد فى أثناء حواره مع محررة الأهرام
وعندما سألته في نهاية الحوار: متى تتوقف عن العمل؟
أجاب بحسم: لا أستطيع فقد أدركت مع مرور الأعوام أني مثل أستاذ طب القلب العالمى العملاق دانتون كولي متيّم بالعمل ولا تستقيم حياتي من دون المرضي، ومن دون أن أتعلم دائما شيئا جديدا كل يوم.
رابط دائم: