تعالوا نتفق على شىء نحن متفقون عليه أصلا، ألا وهو أنه لا كامل، ولا خالد، ولا باقٍ للأبد فى هذا الكون سوى الله جَلَّ فى علاه، إذ ليس الكمال إلا لله تعالى وحده. إذن لماذا يتصور البعض منا أو يتوقع أن كل شىء فى حياتنا يجب أن يكون منضبطا وصحيحا وبيرفيكت وتمام التمام %100 ؟.. مستحيل طبعا.
تعالوا نضرب مثالا بدراما رمضان هذا العام، (أو ما اصطلحنا نحن الشعبيين البسطاء على تسميته المسلسلات) .. كيف تريدها يا سِيد الناس أن تكون كلها كلها ممتازة؟.. إن من المنطقى أن يكون البعض منها فائق الجودة، والبعض جيدا، والبعض الثالث (نُص نُص).. وبالمناسبة، هل عرفتَ بعد أن أتممتَ مشاهدة مسلسل النُص لماذا سمّوا أحمد أمين (النُّص)؟
ستسأل، كم يا ترى فى المائة من المسلسلات الحالية جيد؟.. يمكن القول، بارتياح كبير، إن 80% جاء جيدا جدا، بينما الباقى ماشى حَالُه. عادى يعنى، أليست حياتنا غالبا ما تكون نُص نص؟
إن مسلسلاتٍ مثل، قهوة المحطة، وأولاد الشمس، والنُص، ولام شمسية، وأشغال شقة جدا، والغاوى، وقلبى ومفتاحه، وتقابل حبيب، والبطل، وحكيم باشا، وشهادة معاملة أطفال، والكابتن، وعايشة الدور، وإخواتى، أمتعتنا جدا، والمسلسلات الباقيات، باستثناء واحد أو اثنين اختلف عليهما الجمهور، كانت معقولة، وحققت مشاهدات لا بأس بها، ومعلومٌ أنه لولا اختلاف الأذواق لبارَت السلعة.
عظيم جدا، هنا قد يجادل متحذلق من المتحذلقين..(وما أكثرهم!) متسائلا: وإيه فائدة المسلسلات من أصله؟.. يااااااااه، إن لها يا كابتن ألف فائدة وفائدة، وإليك من بين كل تلك الفوائد سبعا.. خُذ عندك قُل هات:
أولا، إنها هى الجسر الذى تنتقل عبره الأفكار وطرق الفهم والتفكير المختلفة والسلوك (بل ونطق الألفاظ والكلمات) من فئة بالمجتمع إلى بقية الفئات، وعلى سبيل المثال، سمعنا فى مسلسل قهوة المحطة كيف يتحدث أهل الصعيد فيما بينهم. وطبعا لأن عبدالرحيم كمال هو صعيدى ابن صعيدى فقد نجح فى جعل الشخصيات تتكلم اللهجة الصعيدية صح.
ثانيا، المسلسلات تلقى الضوء على القضايا المسكوت عنها، والتى ربما لا تنجح الصحافة المكتوبة ولا وسائل الإعلام التقليدية فى إيصالها إلى جموع الجماهير. إن قضية التحرش بالأطفال مثلا نخجل منها جميعا، ونستنكف الكلام فيها، فتظل كالشرر الكامن تحت الرماد، الذى يهدد بانفجار الحريق فى أى لحظة. تلك القضية عالجتها بجرأة محترمة المؤلفة مريم نعوم فى مسلسل لام شمسية.
ثالثا، المسلسلات تضمن لنا تواصل الأجيال، وهو تواصل بِتنا نفتقده فى كثير من مجالات حياتنا اليومية، حتى بين البنت وأمها، والولد وأبيه.. وهنا يمكن الإشارة إلى مسلسل الراقية الخلوقة، دنيا سمير غانم، (عايشة الدور)، وكيف استعرضت فيه طريقة تفكير وكلام وملابس (بل ومقالب وقفشات) أبناء الجيل زِد، هؤلاء المولودين بين عامى 1997 و2012.
رابعا، فى المسلسلات تسلية وراحة للأذهان والقلوب. إننا، ومنذ افتتاح البث التليفزيونى عندنا، فى يوليو 1960، والمسلسلات تمثل لدينا منجما لا ينضب من الإمتاع والمؤانسة، وبها جرعة ترفيه غير منكورة، يتناولها الصائم شاكرا حامدا بعد التهام إفطاره.. واليوم قد بلغت التسلية حد التُخمة، فَلَيتَ القائمين عليها يخفضون الجرعة قليلا فى العام المقبل..(وما تبسطوهاش أكتر من كِده)!
خامسا، فيها نقل للقِيَم وإيقاظ للوعى المعاصر. إن من يتصور أن مسلسلات هذه الأيام ينبغى لها أن تكون مثل ليالى الحلمية، والمال والبنون، وأرابيسك، وعمر بن عبدالعزيز، هو بالتأكيد مخطئ، لماذا؟.. لأن الزمن يا محترم غير الزمن، والناس غير الناس، والوعى اختلف، حيث إن هناك وعيا جديدا، وعولمة، ومدارس لغات، و(عيال بترطُن بالإنجليزى)، فضلا عن ثقافة أمريكية كاسحة معربدة جبارة، وبالتالى لن تكون دراما اليوم مثل دراما السيد أبى العلا البشرى.
سادسا، فى المسلسلات إعادة ترميم للقوة الناعمة المصرية المفقودة. يعنى يا باشا إننا قبل 100 سنة، كان الكتاب هو مصدر فرض قوتنا الناعمة، ثم بعده أتت السينما، واليوم تتولى المسلسلات القيام بهذا الدور.. ولسوف نباهى بها الأمم فى يوم القيامة..!.
سابعا، لها اقتصاد لا غِنى لنا عنه. هل تعرف يا كابتن كم من بيوت يفتحها إنتاج المسلسلات؟.. بيوت ياما.. ناهيك عن دخل الإعلانات، وتصدير المسلسلات للخارج، والترويج السياحى، والدعاية لمصر أم الدنيا. إن المسلسلات هى بحق ديوان العصر، فلا تفتح صدرك يا حبيبى وتنتقد على الفاضية والمليانة، وأحسن لك تتفرّج وأنت ساكِت..!.
لمزيد من مقالات سمير الشحات رابط دائم: