إذا كان فى الاستماع لآيات الذكر الحكيم متعة وثواب عظيمان دوما، فإن لقراءة المصحف، خاصة فى شهرنا الفضيل مذاقا مختلفا وأبعادا متعددة كثيرا ما نسهو عنها, من قبيل تأمل جماليات وفنون ارتبطت بتدوين القرآن الكريم، والأهمية القدسية التى اكتسبتها الحروف بظهور الإسلام وتطورها فى رحابه لتتحول من مجرد أداة للتدوين ووسيلة لنقل المعرفة والتواصل بين البشر، لحالة وجدانية تجسد العلاقة المستمرة بين المسلم والقرآن الكريم، ورمز لرسالة وحضارة.
فمثلما اتخذت الأمم والديانات السابقة على الإسلام من بعض الفنون مايقوم بخدمتها, كالنحت عند قدماء المصريين والتصوير فى المسيحية، تبنى الإسلام فنا واحدا خدم جميع أغراضه، ألا وهو فن الكتابة الذى حفظ الرسالة ووظفه المبدعون فى عمارة المساجد والقصور والتحف.
وتشير المراجع إلى أن تاريخ الخط العربى يرجع إلى ماقبل ظهور الإسلام فى الحيرة والأنبار بالعراق ثم انتقاله للحجاز ونجد. ويُقال إن أول من أدخل الكتابة إلى مكة هو (بشر بن عبدالملك الكندي) الذى تعلم الكتابة بالحروف النبطية من الأنبار. وقبل الإسلام كان لدى اليهود والنصارى كتب باللغتين العبرية والسريانية، كما ظهرت بعض النصوص العربية متمثلة فى عقود ومعاهدات ووثائق سياسية وتجارية ومدونات الشعر والنثر. ومع أول سورة نزلت على النبى (صلى الله عليه وسلم) التى بدأت بكلمة (اقرأ) ومن بعدها آيات بدأت بالحروف، اكتسبت الكتابة أهمية قدسية، فصارت من أهم الوسائط فى تثبيت وتلقين ونشر القرآن الكريم.
والجدير بالذكر أن العرب فى بداية الإسلام لم يعرفوا سوى نوعين من كتابة الحروف: أولهما البسط؛ وهو خط تغلب عليه التزوية؛ واسُتخدم فى النقوش وفى الوثائق المهمة المكتوبة على الرق وفى المصاحف، وثانيهما التقوير؛ وهو أكثر ليونة واستدارة واستُخدم فى المعاملات اليومية والوثائق والمراسلات الخاصة التى تتطلب السرعة.
وفى عهد عمر بن الخطاب ومع نشأة مدينة الكوفة ظهر نمط جديد من الخط العربى عُرف بالكوفى فى الكوفة، والبصرى فى البصرية، ثم توحدا تحت اسم الكوفي، كما ظهر الخط المكى والمدني. وكان لكتابة المصحف خط خاص عُرف بالمصحفى أو الكوفى المصحفي. وقد شاعت حرفة الكتابة فى أول الدولة الأموية بالخط الكوفي وكان مقسما لأكثر من نوع (مثل الكوفى المصحفى المايل والمصحفى المشق والكوفى المصحفى المحقق والكوفى الحديث).
وفى عهد الخليفة (عبدالملك بن مروان) الذى اخترع خطا سماه (المنسوب)، وضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر نقاطا للحروف المتشابهة لتمييزها، ثم وضع الخليل بن أحمد الفراهيدى علامات الشكل الثمانى، ووضع ابن مقلة الشيرازى فى أوائل القرن الرابع الهجرى نهاية الدولة الاموية ـــ أسس خط النسخ الذى كثر استخدامه فى نسخ الكتب ونقلها وكتابة المصاحف.
وعلى مدى قرون تعددت أنواع الخط العربى، التى وصلت لثمانين نوعا فى زمن العباسيين واستمر التطوير ليظهر خط الجليل فى دمشق، والقيروانى فى القيروان أيام عقبة بن نافع. وفى القرن التاسع ظهر أجمل الخطوط العربية وأصعبها كتابة، ألا وهو الثلث، ليتلوه الثلثين والتوقيع والرئاسى والنصف والخفيف والحوائجى والمسلسل وغبار الحلية والمعمرة.
وما بين القرنين العاشر والتاسع عشر توالى ظهور الخطوط، كالخط المغربى فى القرن العاشر والسودانى فى القرن الثالث عشر، والديوانى فى تركيا والسمرقندى فى القرن الخامس عشر، والمعلق فى مصر والهندى فى القرن السادس عشر.
ولقد يسرت خصائص الحرف العربى؛ من حيث المرونة وطواعية التشكيل والمد والاستدارة والتداخل والتشابك، تطويره ووضع قواعد خاصة تنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة والكتلة، ليبدو فى النهاية عملا فنيا ثريا بالعناصر الجمالية؛ تجلى فى المساجد والقصور والتحف والمصحف الشريف والحرمين الشريفين، وتزيين الكسوة المشرفة، وكتابة أسماء شوارع مصر فى القرن التاسع عشر، ثم تأسيس مصر مدرسة لتعليم الخط العربى فى عشرينات القرن الماضي؛ ليظل الحرف رمزا لرسالة مفعمة بجلال الروحانيات وفنا ثريا بجماليات التشكيل وحكاية حضارة؛ يحلو تذكرها فى شهر رمضان.
لمزيد من مقالات سناء صليحة رابط دائم: