رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

«كليلة ودمنة».. الحكمة والبلاغة

سهير حلمى

بدأ اللقاء المفترض مع ابن المقفع، فسألته: نصحت قراء كتابك الشهير «كليلة ودمنة» الذى اتسم بالأناقة اللغوية، بالتدبر والروية فى قراءته، وتجلى زهوك الشديد ببلاغتك فى قولك المأثور «البلاغة، هى من إذا سمعها الجاهل ظن أنه يستطيع أن يأتى بمثلها». الكتاب الذى نقل من الهندية إلى الفارسية، وقمت بترجمته إلى العربية ومنها انتقل إلى كل اللغات العالمية، والذى أثنى عليه طه حسين بقوله: «هذا كتاب توافر له ثلاث أمم: حكمة الهند وجهد الفرس ولغة العرب». ولكن الجاحظ أشار إلى أنك كنت تؤلف الرسائل والكتب والرسائل وتدعى ترجمتها، تقية وإبراء لنفسك من الآراء الواردة فيها.

فأين الشجاعة التى كنت تحثنا عليها فى «كليلة ودمنة» وهو بحق من الكتب النادرة الممتعة حقا للأطفال والكبار؟

ابن المقفع: مقاصد الكتاب كانت للملوك والوزراء لحثهم على التمسك بالعدل والاستقامة والحذر من مكائد ودسائس البلاط الملكى والوشايات وسوء طوية الحاشية فى بعض الأحيان .. ولكن مع تنامى الأفكار وتوالى الحكايات وتناسلها اتسع مجال الحديث عن قيم الصداقة والأمانة والحذر من الأعداء وسوء عاقبة النميمة وكيف تخلق الأعداء.. أردت إمتاع القارئ من خلال الطيور والحيوانات فى سرد يعج بالتشويق والبلاغة هى الإيجاز، الذى يمنح المعنى قوته وثباته فى ذهن القارئ، ومن خلال براعة الاستنباط وضرب الأمثال لتقريب المعنى ومقارعة الرأى بالحجة وبيان عاقبة الأمور، أصبح الكتاب درة النثر العربى وأرثا أصيلا لأى مبدع.

لقد قمت بالفعل بإضافة بعض الأبواب لكليلة ودمنة وأوضحت أن الحكمة والعفة والعقل والعدل أشياء يختص بها الإنسان عن الحيوان متبعا أسلوب المحاسن والأضداد والقدرة على الإقناع والتأثير.

لكن يقال إن الحكم جاءت مرسلة بمثابة «منيفستو» مفروض على السلطان ولعلك تعلم أن الحلم الأفلاطونى الذى سرت على هداه، فشل تاريخيا فى أن يصبح المفكر هو من يقود السياسة بمعزل عن التجربة الواقعية والدليل أنك حذرت القارئ فى قصة «الحمامة  والغراب والثعلب» من مغبة نصح الآخرين والغفلة عن نصح الذات.. وانتهى الأمر بسوء عاقبتك.. فالمثالية المفرطة تتناقض مع الوعى السياسى.. فما هو دفاعك؟

ابن المقفع: كتابى هذا مترجم لنقل بتصرف، والإضافات جاءت بناءً على وقائع وتجارب.. فلا تنسى أننى كنت شاهدا على انهيار الدولة الأموية وبزوغ العباسية وما صاحب ذلك من صراعات، فاستعنت بالرمز الحيوانى للتشويق، فقلت مثلاً فى معرض الحديث عن استعانة جماعة من الطير بالبوم لكى تملكه عليها وحين استشاروا الغراب قال عنهن: «لو أن الطير كلها نفدت لما اضطررن إلى تمليك البوم، أقبح الطير منظرا وأسوأها مخبرا وأقلها عقلا وأشدها غضبا وأبعدها رحمة « ثم ترتب على هذا الهجاء الشديد العداوة لا مبرر لها بين البوم والغربان انكشفت أمرها وعاتبت البومة الغراب بقولها: اعلم أن الفأس يقطع الشجر فينبت ويزدهر والسيف يقطع اللحم والعظم فيندمل ويلتئم واللسان لا يندمل جرحه ولا يلتئم ما قطع.. وكانت تتحدث عن نار الحقد وشجرة العداوة.. هذه أشياء عاصرتها واحتفيت بالعلماء وتحذيرهم للملوك من الغضب والبخل والكذب.

اتحفظ كثيراً عما قيل عن أسباب قتلك تارة بسبب الزندقة وكانت تهمة جاهزة آنذاك، وقيل أيضا أن اغتيالك تم على يد والى البصرة، لأنك كنت تعايره بأنفه الكبير وتمس أمه بما لا يقال، وهذا يتناقض تماما مع ثقافتك ومعطيات شخصيتك من كتاباتك، ولا يتبقى إلا صيغة خطاب الأمان الذى كتبته لكى تحمى عبد الله بن على من الخليفة أبى جعفر المنصور وأغلظت له القول: «متى غدر أمير المؤمنين بعبد الله بن على، فنساؤه طوالق والمسلمون فى حل من بيعته» أين البلاغة والفطنة والكياسة واتباع أرفق السبل وألينها فى مخاطبة ونصح الملوك كما كتبت لنا؟.. للأسف الشديد لقد تحولت قصة قتلك لسيرة شعبية قائمة بذاتها، وضاعت الحقيقة وربما كنت طالبا للسلطة، خاصة أنك كنت قريبا من رجالها؟

ابن المقفع: كنت أتحدث فى الكتاب بتلقائية والموضوعات السياسية تتماهى مع الأخلاقية والاجتماعية، ولكنى شأن كل البشر، يقعون فى الخطأ رغم حذرهم.. فالمنفعة الخالدة فى كتابى من نصيب الصغار، حيث المتعة والخيال والحكمة.


رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق