يبدأ رمضان، فتنشغل ساحة “الست حورية» باستقبال الراغبين فى إحياء ليالى الشهر الكريم. فالمسجد الشهير والقائم فى مدينة بنى سويف يضرب كل عام رقما قياسيا فيما يخص أعداد مريدى حلقاته لقراءة القرآن ودراسته.
وأخبار «الست حورية» كما يسميها أهل محيط مسجدها وضريحها، أو «السيدة حورية» كما تقول لافتة المسجد، الذى يستضيف فى كل رمضان أكبر موائد الطعام فى «بنى سويف» والتى يجلس إليها المئات يوميا.
نالت « الست حورية» مكانة إضافية فى قلوب أهل « بنى سويف» بسبب كوكبتها من الاطفال والنشء من حفظة القرآن . والإنضمام لسلسلة حفاظها يتطلب أولا الوفاء بشرط عزيز وهو حفظ ربع أو نصف القرآن الكريم، فيجرى الاحتفال مشيعا بـ»زغاريد» النساء، ابتهاجاً باعتماد أحد أفراد الأسرة ضمن سلسلة «الحفاظ».
يروى الحاج كمال عبدالعظيم من أبناء «بنى سويف» ومن رواد مسجد ومقام «الست حورية»، فيقول: «هو معلم أثرى ودينى يعد الأشهر بين مساجد مدن ومراكز المحافظة السبع، من (الواسطى) شمالا وحتى (الفشن) جنوبا. يشتهر بوجود ضريح ومقام لإحدى حفيدات الإمام الحسين بن على. كما يعتبر تحفة معمارية تدلل على ثراء تاريخ المعمار الإسلامى فى قلب بنى سويف، حيث يزين المنطقة بقبته الخضراء وتصاميمه الفريدة التى تعود إلى أكثر من قرن من الزمان».
ويزيد الحاج كمال شارحا: « إلى جواره، ضريح السيدة حورية، وهو عبارة عن تحفة من الأرابيسك تجمل بعض جنباته تدوينات بكلمات المديح والثناء على السيدة حورية ونسبها. وهكذا تختلط إبداعات المعمار القديم مع روحانيات مريدى آل البيت نسبة لنسب السيدة حورية للإمام على كرم الله وجهه».
أما الدكتور منتصر عجمى، باحث وحاصل على الدكتوراه فى الآثار الإسلامية ببنى سويف، فيوضح أكثر عن صاحبة المسجد والضريح، ويقول: « نسب السيدة حورية، يرجع إلى الإمام الحسين. والتى قدمت إلى الأراضى المصرية مع الفتوحات الإسلامية الأولى، وحضرت فتوح البهنسا الكبرى. وفى طريق عودتها، أصيبت بالحمى وماتت، فجرى دفنها فى بنى سويف، وأطلق عليها (حورية) لجمالها الباهر عن وفاتها عن سن 17 عاما.. وعرفت بحب الترحال، وكانت تجوب مصر كلها سعيا وراءه اكتشافها».
ويزيد موضحا: «بعد وفاتها، قام محمد بك إسلام، أحد وجهاء بنى سويف ببناء مسجد ضخم يحمل اسمها بجوار الضريح القديم، والذى بات جزءا من المسجد وجناحا يقع على يمين من يمر عبر الباب الأيمن. واستحضر له مجموعة من المهندسين الإيطاليين المهرة. وقيل إنه رآها ــ رضى الله عنها ــ فى رؤيا صادقة تطلب منه بناء هذا المسجد، الذى أتمه من بعده ابنه عثمان بك عام 1323 هجريا».
ولكل ما سلف من قيمة وتاريخ، قام الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، بزيارته مؤخرا، ليكشف عن خطة بالتنسيق بين المحافظة، ووزارتى الأوقاف والسياحة والآثار لتطوير المسجد. ويستهدف هذا التطوير من أعمال ترميم وصيانة شاملة، الحفاظ على طابعه التاريخى والأثرى. وهو ما أكده الدكتور محمد هانى غنيم، محافظ بنى سويف، كاشفا عن تشكيل لجنة فنية مختصة لتحقيق هذه الأهداف.
وينتقل طرف الحديث إلى تامر فوزى كامل، مدير منطقة الآثار بالمحافظة، مشيرا إلى أن المسجد الذى بدأ بناؤه عام 1320 هجريا بات رمزا من رموز «بنى سويف» ووجهة يقصدها لاحتفالات الطرق الصوفية بمولد السيدة حورية، بـ «مولد» خاص ذائع الصيت، وذلك فى الأيام العشرة الأواخر من شهر شعبان سنويا.
والحديث هنا يستدعى صور نصب الخيام والموائد بالساحة المواجهة للمسجد، والشوارع المحيطة، حيث يقام تعليق لافتات تحمل صور وأسماء أقطاب الصوفية من جميع المحافظات. ويفترش البائعون بضائعه ويتمتع الأطفال بالألعاب المنتشرة، فيما تقيم كل فرقة من الطرق الصوفية، مثل الرفاعية والشاذلية وغيرهما، سرادقا كبيرا لمريديها ومحبيها ممن يحتفلون بليلة مولد «الست حورية». لكن صاحبة الضريح والمسجد تأبى أن ينقطع الاحتفال عن محيطها خلال أيام رمضان، فتستقبل أكبر الموائد الرمضانية فى «بنى سويف» وتحتفل بابنائها من حفظة القرآن.
رابط دائم: