كانت قد فرغت للتو من مسلسل التشويق اليومى الذى تعد فيه شهريار بتكملة الحكاية فى الغد .. تجلس بهدوء ولسان حالها يلهج بالشكر والدعاء وقت الفجر، بعد أن نجت من المصير المحتوم على يد شهريار ، الذى جابهت شره بالحكى والجسارة .
دعوتها للحديث فى حديقة قصره المنيف ، بملابسها الكرنفالية الموشاة بخيوط الذهب والحرير التى تعد من أدواتها للإيهام والإقناع وبدأت أسئلتى :
ما سر هذه الحيوية فى السرد والجاذبية والديمومة على قراءة هذا النص العجيب ولماذا طبقت شهرتك الآفاق عالميا ؟
شهرزاد : سمعت الكثير عن الهالة الأسطورية التى تحيط باسمى وكيف أصبحت «ألف ليلة وليلة» من أكثر الكتب تأثيرا وكيف أننى صاحبة خزينة لا تنضب لكن رغم هذا الثناء، استعجبت من محاولات البعض للنيل من ألف ليلة ، فالعنوان على سبيل المجاز يشير لكثرة محاولات إقناع شهريار بالعدول عن قتل الفتيات كل ليلة.
كنت أعتقد أنك ستدافعين عن أصالة النص وإنه نتاج قريحتك الخصبة وخيالك الجامح ،فماذا عن الزعم بأن الليالى كانت لا تتجاوز ثلاثمائة ليلة، وأن الرواة أضافوا الكثير لكى تكتمل وتصل للألف ؟
شهرزاد : منذ صدور طبعة بولاق فى مصر عام 1820 اعتمادا على نسخة خطية واحدة وأنا لا أبالى بما قيل عن إدماج بعض السير والمخطوطات فى حكاياتى.
ألا تخشين أن يقال عن «ألف ليلة وليلة» إنها تبحث عن مؤلف ؟
شهرزاد: أنا شجرة عتيقة لها جذور ممتدة وفروع متشابكة لا أستنكف أبدا إضافات القصاصين ،فهى قيمة مضافة .. ينابيع الأدب لا نهائية مثل كتابى الذى تتوالد فيه الحكايات وكما أننى لا أفض أسرار الحكاية لشهريار يوميا إلا بمقدار وأحتفظ بجمرات التشويق متوهجة، فالحياة أيضا تفيض على كل قصاص بما يغنى وجدانه وذاكرته لتتناقله للأجبال .. فالكتاب سطرته ألسنة الناس وأرى أن الحكايات تموت إذا رويت بطريقة واحدة .. هنا يأتى دور الإلهام لا الاستنساخ والتقليد ، أنا أعتز بأصالة كتابى وإن تعالت عليه النخب الثقافة أحيانا.
احتفى بك جارسيا ماركيز ومنح ألف ليلة صك الجودة : «كنت ألتهمها بلهفة متشوقا لمعرفة ما سيجرى فى الأسطر التالية .. علمنى هذا الكتاب معاودة قراءة الكتب الجديرة بذلك».
شهرزاد : أعلم جيدا أننى «الملهمة الأولى» للأدباء وأبرزهم «بورخيس» المولع بفكرة الحكاية المفتوحة أو اللانهائية التى هى من أهم تقنياتى فى السرد والحبكات المتنوعة ، حتى أنه عدَّ كتابى أول جسر شرقى يتجاوز الثقافة الغربية .. فهو صاحب كتاب «الرمل» الذى يشير إلى أن الإنسان لا يسعى للمتاهة ولكنها تسعى إليه، لذلك عليه أن ينجو بذاته بدافع من داخله، ولا ينتظر خلاصا من ظروفه الخارجية ، وهذه كانت أهم رسالة أعتز بها فى كتابى إضافة للمتعة والتسرية عن القارئ، وقد وصف كتابى المدهش بالكاتدرائيات الكبرى التى يتم تشييدها بالتخطيط والإرادة وحشد من البنائين العظام.
عفوا ولكن توفيق الحكيم كان يرى أن المرأة لا تصلح لكتابة الرواية لأنها بناء محكم ، رغم وجود موهبة عظيمة مثل أجاثا كريستى كانت تنافسك فى رهافة الحس الأدبى والحد الأقصى من التشويق وصيد الخاطر، فهل الحكاية تحتاج مهارة أقل من الرواية ؟
شهرزاد : بالطبع لا . والعبرة بالقدرة على السرد، لقد استلهم توفيق الحكيم وطه حسين اسمى ورسمى فى أعمالهما ، الأول لجأ لتعادليته الأثيرة فى الاحتكام لحسم صراع شهريار مع المكان، حين رغب فى مسرحيته بالرحيل مرارا من أجل المعرفة، وكان يرى أن التنقل الدائم يتنافى مع الاستقرار، ويبقى الإنسان معلقا بين السماء والأرض ،حين يترك أرضه، واستوقفه عجز العقل البشرى أمام القدرة الإلهية، إذ استند إلى العلم فقط .. بينما انشغل طه حسين ،بالأفكار الكبرى كونها أحلاما نتطلع إليها ليتعلمها شهريار المستبد .. بل إن العقاد نعتنى بالجسارة والبطولة فى أحد دواوينه..أما نجيب محفوظ فكان الأقرب إلى قلبى لعمقه وبساطته وبراعته فى الاستفادة من أدبى الشعبى فى استخدام الرمز كما فعلت وإطلاق سلطة القارئ فى التأويل .
رابط دائم: