رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

طقوس الشهر الكريم عبر قرون فى المحروسة
تاريخ الجـمال.. أجـواء وألـوان

سهير عبدالحميد

  • «العلاليق فرحة» خيول وسباع من السكر للأطفال
  • الحاكم بأمر الله يخصص ثُريا بها 700 قنديل لإنارة جامع ابن العاص خلال رمضان
  • قصر عابدين كان يقيم موائد للرحمن سنويا بحضور الملك فاروق

« تبدو القاهرة عند اقتراب موعد المغرب «ساعة الإفطار»، وما أبطأ حلوله وكأنها أفاقت من غشيتها، فيطل الناس من النوافذ والشرفات ليرقبوا اقتراب ساعة خلاصهم وبعض الناس يصلون ويبتهلون وآخرون يسبحون بينما آخرون يتجمعون فى جماعات أو يتبادلون الزيارات لقتل الوقت حتى يحين موعد الإفطار... يا للسعادة ! أخيرا انطلق موعد الإفطار من القلعة، وفى الحال يجلجل المؤذن بآذانه الجميل داعيًا الناس للصلاة وينطلق صوت المدفع الثانى من قصر العباسية، ويصيح الناس: الإفطار الإفطار، وتعم همهمة الفرح فى أنحاء «القاهرة الصامتة»


الرحالة الآيرلندى ريتشارد بيرتون

لم تختلف تفاصيل رمضان وشكله فى مصر كثيرًا عن الصورة التى رسمها «بيرتون» عن تلك التى نجدها فى مختلف أقوال الرحالة وكتابات المؤرخين إلا فى ظروف تاريخية طارئة فرضتها الأوبئة أو الحروب أو أحوال الطقس وفيما عدا ذلك كان شهر رمضان هو شهر الاحتفالات والذكر والياميش والقطايف والفوانيس وغيرها من مظاهر الاحتفال التى خلدّها المصريون كطقوس مقدسة لا تقبل التغيير وإن لمستها يد الحداثة.

فقبيل شهر رمضان وتحديدًا فى الأيام الأخيرة من شهر جمادى الآخرة ومنذ قرون خلت، تغلق الدولة جميع قاعات الخمّارين، ويحظر بيع الخمر، وقد حرص الوزير المأمون على تطبيق ذلك فى كل أرجاء الدولة وكتب أمرًا إلى جميع ولاة الأعمال بأن ينادى على الناس أن من تعرض لبيع شيء من المسكرات أو شرائها سرًّا أو جهرًا فقد عرض نفسه لتلفها وبرئت الذمة من هلاكها.

وكان ولاة الأمر يهتمون بالمساجد وطلائها وإصلاح ما بها استعدادًا لصلاة التراويح فى الشهر الفضيل ؛وفى العصر الفاطمى تولى القضاة مهمة الطواف بالمساجد فى القاهرة وباقى الأقاليم، لتفقُّد ما تم إجراؤه فيها من إصلاح وفرشها بما هو جديد وتعليق المسارج والقناديل، حتى إن الرحالة «ناصر خسرو» الذى زار مصر فى القرن الخامس الهجرى وصف «الُثريا» التى أهداها الخليفة الحاكم بأمر الله إلى مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط بأنها كانت تزن سبعة قناطير من الفضة الخالصة، وكان يوقد به أكثر من 700 قنديل، وكان يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض . كما كان يشترى البخور الهندى والكافور والمسك لتعطير المساجد فى شهر الفضيل.


فرحة الأطفال بالشهر الكريم مظهر رمضانى يمتد عبر القرون - «تصوير ـــ أيمن إبراهيم»


مواكب الهلال

عبر التاريخ كان لرؤية الهلال طقوسه وموكبه الذى ينطلق فى الشوارع حاملا البشرى للناس، وظلت رؤية الهلال من اختصاص القضاة منذ خرج القاضى أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة عام 155هـ لرؤية الهلال وسار على دربه القضاة، حيث كانت تُعَدُّ لهم دكّة على سفح جبل المقطم عرفت بـ « دكة القضاة «، يخرج إليها لنظر الأهلة، فلما كان العصر الفاطمى بنى قائدهم بدر الجمالى مسجداً له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدًا لرؤية هلال رمضان .

لم يحدث أى خلل فى طقوس إثبات الرؤية إلا حين ساءت الأحوال الجوية، حدث ذلك عام 1802م ؛ فقد اختلف الناس على رؤية أهلة رجب وشعبان ورمضان . وفى نهاية رمضان حسب ما أكد الجبرتى كانت الغيوم كثيفة والأمطار غزيرة يغلفها البرق والرعد واستمرت صلاة التراويح حتى وقت متأخر حتى جاء بعض أهالى دمنهور وأكدوا رؤيتهم لهلال العيد . فى العام التالى أفطر الناس وفق تأكيد رؤية هلال العيد فإذا بالمساجد تعلن وقت الضحى الامتناع عن الطعام لعدم التأكد من رؤية هلال العيد .


الكنافة.. حلوى رمضانية تستهوى كل الأعمار - «تصوير ـــ ياسر الغول»

ليل رمضان البديع

فى كتاب «وصف مصر» يتحدث «دوشابرول» عن أحوال المصريين فى نهار رمضان فيقول « يسعى كل شخص فى النهار قدر طاقته كى ينهى عمله فى أسرع وقت ليخصص بضع ساعات للنوم ؛ فترى الفلاح راقدًا تحت نخلة بعد أن أنهى فى فترة الصباح عمله وترى التاجر يرقد فى دكانه والعامة ممدين فى الشوارع بجوار جدران مساكنهم «. هذه الحالة من الكسل التى وصفها «دوشابرول» للصائمين فى نهار رمضان خصوصًا فى فترات القيظ هى ما جعلت أحمد بن طولون يأمر بصرف العمال مبكرًا ؛ فقد خرج مرة لزيارة مسجده وقت بنائه، فرأى الصناع يشتغلون إلى وقت الغروب، فقال «متى يشترى هؤلاء الضعفاء إفطارًا لعيالهم،؟! أصرفوهم العصر» .

لكن ليالى رمضان فى حياة المصريين كانت مغايرة تمامًا وليس أبدع من الوصف الذى قاله الرحالة البريطانى إدوارد لين بول، عن ذلك: « يكون المسلمون طوال صومهم فى النهار نكدى المزاج ويتحولون فى المساء بعد الإفطار إلى ودودين محببين بشكل عادى «، فقد كانت ليالى رمضان ليالى مليئة بالأنس وأطباق الحلوى مثل «القطايف» و»الكنافة»؛ إذ يقال إن الكنافة صنعت خصيصًا للخليفة الأموى سليمان بن عبد الملك، كما قيل إنها صنعت للخليفة معاوية بن أبى سفيان، وكانت الكنافة والقطايف موضع مساجلات بين الشعراء فجلال الدين السيوطى له رسالة عنوانها: «منهل اللطايف فى الكنافة والقطايف». وكانت أسواق القاهرة الشهيرة مثل سوق السمكرية داخل باب زويلة

«بوابة المتولى بالغورية»، مليئة بألوان «الياميش» و«قمر الدين» وفى «سوق الحلاويين» كانت تصنع من السكر أشكال خيول وسباع وغيرها تسمى «العلاليق فرحة « .

الوباء يغير العادات

لم تتغير طبائع المصريين خلال شهر رمضان إلا فى فترات حرجة هى تلك التى اجتاح فيها الوباء مصر .

حدث هذا وقت الوباء العظيم الذى انتقل من الشام إلى مصر فى القرن الرابع عشر الميلادى وقد حصد ذلك الطاعون كثير من الأرواح خصوصًا خلال الشهر الكريم حتى قال المقريزي: « هرعت الناس للجوامع للصلاة والقنوط والتضرع إلى الله برفع البلاء مع قراءة صحيح البخارى بالجامع الأزهر ايامًا والدعاء بعدها لرفع الطاعون»

تكرر المشهد حين اجتاح مصر الطاعون مجددًا عام 833هـ وبأمر السلطان جلس نحو 40 شريفًا من الأشراف فى الجامع الأزهر لقراءة القرآن والصلاة حتى يرفع الله البلاء. وفى سجلات الجبرتى نقرأ عن الطاعون الذى اجتاح مصر فى القرن 18 وامتد نحو أربعة أشهر شملت شهر رمضان المعظم فمات الكثيرون وتعطل غسل الميت وتجهيزه . وربما عاش المصريون فى رمضان 2020 حالة شبيهة أو ما يمكننا تسميته بـ»البيات الشتوي» فى المنازل خوفًا من فيروس كورونا .


مدفع رمضان.. أداة معرفة مواعيد الإفطار والإمساك قبل انتشار الوسائل الحديثة

الأسمطة من الخلفاء إلى الأعيان

الأسمطة أو الموائد الممتدة للإطعام ظاهرة عرفتها مصر منذ قرون ..البعض يرجعها إلى أحمد بن طولون وإن كان المؤكد أن الفاطميين أول من أرسوا تلك العادة التى استمرت بعدهم لقرون ما بين رغبة حقيقية فى عمل الخير وبين كونها وسيلة من وسائل الدعاية السياسية . أنشأ الفاطميون « دار الفطرة « خصيصًا لإعداد تلك الأسمطة التى شملت كل ما لذ وطاب ، وسار على نهجهم خلفاء الدول التالية.

حتى إن قصر عابدين فى عهد الملك فاروق كان يخصص مائدة لإطعام الفقراء خلال الشهر الفضيل . وإقامة حفلات لتلاوة القرآن الكريم والإنشاد وكان الشيخ الفشنى من أكثر المنشدين ترددا عليالقصر الملكى لإحياء الليالى الرمضانية.

وقد سار الأعيان فى العصر الحديث على هذا الدرب ؛ ففى تقرير صحفى نشر بمجلة «كل شيء والدنيا « عام 1935، نقرأ عن تصرفات الأثرياء فى شهر رمضان فبعضهم لا يعيرون الشهر الكريم أدنى احترام فى حين يتسابق البعض فى ميدان التقوى ويختارون أحسن المقرئين لتلاوة القرآن فى قصورهم وإعلاء الآذان وإقامة الموائد للفقراء والمحتاجين وجاء فى التقرير أن بعض الأعيان حرص على إقامة حفلات للتسامر والتباحث حول الدين الإسلامى ومنهم السيدة هدى هانم شعراوى التى أقامت حفلات متتالية للوزراء والعظماء والهيئات ويشرف على تلك الحفلات الآنستان سيزا بدراوى وحواء إدريس.

روح أكتوبر فى رمضان

لا شك أن رمضان 1393 الموافق السادس من أكتوبر 1973، هو رمضان الأغلى والأهم فى حياة الشعب المصرى ؛ففيه تمكنت قواتنا المسلحة من إحراز نصرها التاريخى على إسرائيل، وعبر جنودنا الصائمين قناة السويس وهم يهتفون « الله أكبر»، وأصبحت فرحة المصريين بالشهر الفضيل مضاعفة بالنصر الذى أحرزه الجيش المصرى ليكون نصره مرتبطًا بشهر رمضان تماما كنصر المسلمين يوم غزوة بدر ويوم فتحهم مكة ويوم انتصار صلاح الدين الأيوبى على الصليبيين فى موقعة حطين ويوم انتصار قطز وجيشه على التتار فى عين جالوت .

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق