فيما كنت أطالع رواية «الهامسون» للكاتبة «هالة البدري»، خايلتنى صور فلاحات بر مصر وقد توسط ذقن كل منهن ثلاثة خطوط خضراء مدقوقة، ومعصم صديقتى المشوم بصليب، ومشهد دنجوان السينما رشدى اباظة وهو يدق على صدره صورة محبوبته تمر حنة، وكف سفاحة الإسكندرية سكينة الموشوم باسم عبدالعال و..و..، لتلاحقنى أكثر من علامة استفهام عن معنى ودلالة الوشم إنسانيا واجتماعيا فى عمل الكاتبة تحديدا.
فالوشم ظاهرة إنسانية قديمة تمثل نسقا تواصليا؛ ذلك أن الرسم الذى يدق فى طبقات عميقة من الجلد، يحمل دلالات ومعتقدات كل جماعة على حدة، وتصورها لطبيعة الوجود والعلاقات بين أفرادها، وعلاقتهم جميعا بما وراء الوجود. وفى دراستها القيمة عن الوشم كرمز ومعنى تشير الباحثة التونسية «نور الهدى باديس»، إلى أن الوشم الذى كان بالأمس يعبر عن الانتماء القبلى ومعتقدات الجماعات، اكتسب اليوم دلالات رمزية تعبيرا عن الحرية والبحث عن الهوية فى مجتمعات تعانى أزمة هوية. و«هامسو» هالة البدري، فى تقديري، يُجملون ويلخصون حالة مصرية؛ تشابكت خطوطها وتقاطعت مسارات شفراتها الثقافية والهوية الوطنية مع حكايات وتاريخ صاحبات التاء المربوطة..فمن خلال معاناة تتعرض لها أربع نساء يظهر وشم على أماكن مختلفة فى أجسادهن يشير إلى أسماء أولى لشخصيات من قبيل (إبراهيم/ سليمان/ وسعد)، ثم يختفي، ثم يعاود الظهور من جديد. ومع معاناة وحيرة الضحايا اللاتى يحاولن إخفاء وشم قد يجعلهن عرضة للتجريس المجتمعى والقيل والقال، تكشف البدرى خبايا نفس المرأة وهمومها موظفة موتيفات فلكلورية وحكايات منسية فى تاريخنا. حكايات من تاريخنا عن الوعى بالذات وإشكاليات الثقافة والهُوية وتفاعلها لتكوين المعايير والدلالات العقلية والروحية والحسية؛ التى تحكم رؤيتنا للواقع والتى حفظت لقرون نسقا اجتماعيا ودعمت استقراره (كالتراتبية المجتمعية ـ رؤية المجتمع للفن والاختلاف - التوسل للأولياء مما يعيد للذاكرة دراسة أستاذنا سيد عويس لرسائل المهمشين للإمام الشافعى - رؤى المستشرقين التى غيبت صورة مصر الحقيقية ، إلخ).
والانتقال من حكاية لأخرى لهامسى البدرى يكشف تدريجيا واقعا حَفِلَ بحكايات موشمة بالدم وبوجع وأنات الروح، فتبدو الرواية وكأنها دراسة حالة تتطابق مع مفهوم عالم الاجتماع الأمريكى «تالكوت بارسونز» للثقافة وتحديدها فى رموز تعمل على توجيه الفعل والعناصر الذاتية الشخصية والأنماط المؤسسية للأنظمة الاجتماعية.
تتعدد الأصوات وتتشابك خيوط السرد وتنفرج ويبقى التشويق حبلا ممدودا متمحورا حول الوشم، وفى لحظة أشبه باستعادة الوعى فى تفسيرها للرسائل الغامضة التى تظهر على الموشومات جسديا وروحيا، تنفتح الأسطورة على تاريخ المقاومة الشعبية عند المصريين فى حقب زمنية مختلفة من تاريخ مصر الحديث، إذ ينتقل وشم الأسماء من جسد الأم عفاف إلى جسد وليدها، ليبقى تاريخ البطولة متصلا؛ لا يطويه النسيان.
وفى تنقلها بين شخصياتها وما مر بهم من أحداث بسلاسة وبلغة ولكنات معبرة عن الثقافات المختلفة والمهمشة وتفاعلات شخصيات العمل مع البيئة المصرية، تقدم الكاتبة فى بنية متجانسة الطابع؛ عملا امتزجت فيه المعلومة التاريخية والحكاية الفلكلورية والخيال الجمعي، كاشفا المسكوت عنه على مستوى الفرد والمجتمع. ولعل اختيار الكاتبة لمتوالية النهار عند بداية كل فصل، كالعصر والفجر والظهيرة.. إلخ، يخرج بالحالة والشخصيات من الحيز الزمانى والمكانى الضيق المحدود لتصبح الشخصيات والحدث والرواية ككل، وكأنها همسات متكررة تتردد فى فضاء كون لا نهائي.. فالهمس فى جمعه بين حديث النفس والقدرة على التواصل مع عوالم غيبية، أقرب لحالة تبتل ومحاولة توحد مع الكون؛ تتجسد فى شكل مادى هو الوشم الذى لايدرك الموشمون ولا القارئ أسبابه أو دلالته إلا فى نهاية العمل، حيث تبدو صاحبات التاء المربوطة بالعمل الموشومات جسديا أو روحيا، أمين السر الحافظ والمؤرخ لحكايات الوجع والدم، حتى وإن كن كدميانة الصغيرة الأمية، التى توثق لوعى متوارث، يتسرب فى الجينات، فيبدو الهمس والوشم اشبه بمصباح الفيلسوف اليونانى «ديوجين» الذى حمله فى نور النهار ومشى فى دروب أثينا بحثا عن الحقيقة..
لمزيد من مقالات سناء صليحة رابط دائم: