منذ عودة الرئيس الأمريكى ترامب إلى البيت الأبيض،لم نلحظ فى تصريحاته حرص (راعى السلام) على تماسك الهدنة بين الفلسطينيين وإسرائيل توطئة لبدء عملية سلام دائم، بل رأينا منه تشكيكا لا يخفيه فى استمرارية الاتفاق بقوله:لست واثقا فى استمرار وقف إطلاق النار فى غزة،وعلى كل حال،هذه ليست حربنا !
الأخطر بالأمر أنه فى ظل إشارات مزدوجة تصدر عن الرجل تعكس صعوبة قراءة نياته،وعدم اكتراثه بالتزام طرفى الحرب ببنود الاتفاق،نجده يبدى اهتماما يثير اللبس بمسألة(إعادة إعمار غزة)، بقوله:ينبغى إعادة بناء القطاع بـ(طريقة مختلفة)،وهو ما أثار التساؤلات حول أهدافه الحقيقية.
توجهات ترامب نحو مستقبل غزة اعتبرت محاولة للاستثمار الاقتصادى هناك،فبدا وكأنه يتولى إدارة القضية كفرصة تجارية،دون النظر إلى أبعادها الوطنية والإنسانية.فقد وصف القطاع بأنه (موقع استثنائى مطل على البحر) وأنه (يمكن إنجاز أشياء رائعة هناك). لكن الرئيس الأمريكى لم يوضح ما إذا كان يقصد تحسين البنية التحتية للقطاع لإعادته قابلا للحياة لسكانه الفلسطينيين أم يقصد خطة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة لخدمة أطراف بعينها؟
لكن نيات ترامب الحقيقية بدأت فى التكشف لتتجاوز حدود ما يظهر على السطح،حين ألمح أولا إلى إمكانية تهجير سكان غزة إلى ماليزيا وإندونيسيا،قبل أن تصبح خطته أكثر وضوحا ومباشرة حين دعا مصر والأردن إلى استقبال المزيد من الفلسطينيين، بحجة إعادة الإعمار، فى إحياء لمحاولات إسرائيلية سابقة لفرض حلول أحادية الجانب على الأرض.
ومن الواضح أن رؤية ترامب تستند إلى تحويل قطاع غزة إلى منطقة تخضع لنظام اقتصادى وسياسى يخدم مصالح دولية وإقليمية محددة، بعيدًا عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وهى رؤية تستفيد من واقع التشرذم الفلسطينى وخلافات أخوة الوطن الواحد، لكن تظل التوجهات الأمريكية سواء نحو عملية (حقيقية) لإعادة إعمار غزة لصالح سكانها أو بإدارة الصراع كفرصة اقتصادية تدار بعيدا عن إرادة أهلها، رهينة بتحقيق توافق داخلى بين الفلسطينيين، واستغلال الحراك الدولى لضمان حقوقهم الوطنية،تحت مظلة تحالف إقليمى يضمن عدم تحول غزة إلى مشروع تجارى يدار لحساب قوى بعينها !
[email protected]لمزيد من مقالات شريف عابدين رابط دائم: