رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اللحمة الوطنية وصمود الدولة

تُعتبر اللحمة الوطنية عنصرًا أساسيًا فى بناء الدول القوية والمستقرة، حيث تلعب دورًا رئيسيًا فى تقوية الروابط بين الأفراد والمجتمع، بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية أو الدينية أو الاجتماعية أو الثقافية، فهى تعكس الشعور بالانتماء إلى وطن واحد وتدفع بتوحيد الصف والجهود من أجل تحقيق المصلحة الوطنية مما يساهم فى حماية الدولة وصمودها وتماسكها خاصة فى وقت الأزمات ومجابهة التحديات، ومصر لديها تاريخ طويل من اللحمة الوطنية التى ساهمت فى حماية البلاد من الأزمات. وعندما نتحدث عن اللحمة الوطنية، غالبًا ما نتجه إلى الأمثلة المعاصرة، ولكن إذا أردنا فهم جذور هذا المفهوم وعمقه التاريخي، يجب علينا أولاً التطلع إلى الحضارات القديمة، ومن بينها الحضارة المصرية القديمة التى تميزت بوحدة قوية وشعور بالانتماء المشترك، فدائمًا كانت اللحمة الوطنية مفهومًا متجذرًا فى العقائد الدينية والتقاليد الاجتماعية والهوية الوطنية، وكانت هذه اللحمة هى القوة الدافعة وراء بناء حضارة عريقة استمرت آلاف السنين، وهناك العديد من العوامل التى ساهمت فى تجذير هذا المفهوم ومنها ما يرتبط بالتاريخ المشترك والهوية الوطنية والمشروعات الضخمة؛ فعلى سبيل المثال، لا الحصر، يمثل نهر النيل شريان الحياة بالنسبة للمصريين القدماء، وقد جمعهم معًا على مر العصور، وكانت اللغة الهيروغليفية هى لغة الكتابة الرسمية فى مصر القديمة وقد ساهمت فى توحيد الهوية الثقافية، وبناء الأهرامات كان ومازال إنجازًا هندسيًا عظيمًا، وقد ساهم فى تعزيز الشعور بالفخر والانتماء لدى المصريين القدماء، والتضحيات التى قدمها المصريون القدماء للدفاع عن وطنهم، ويجب ألا نغفل كيف كانت الأعياد تعزز الروابط الاجتماعية وتقوى الشعور بالانتماء إلى مجتمع واحد واستمر هذا عبر كل العصور إلى يومنا هذا.

ومن مصر القديمة إلى ثورة 1919 حيث شهدت مصر حركة وطنية قوية ضد الاحتلال البريطاني، حيث توحدت كافة فئات الشعب المصري، بما فى ذلك الفلاحون والعمال والطلاب، تحت قيادة زعماء مثل سعد زغلول، تلك الوحدة التى ساعدت فى تحقيق الاستقلال ومثلت بداية مرحلة جديدة فى تاريخ مصر،ثم معركة 1956 وتمصير قناة السويس، وفى خلال الفترة ما بين 1967-1970 (حرب الاستنزاف) تضافرت جهود الجيش والشعب لتعزيز الروح الوطنية حيث شهدت البلاد معارك وشهداء وتضحيات ساهمت فى إعادة بناء القوات المسلحة واستعادة الثقة، وجاءت انتصارات حرب أكتوبر المجيدة فى 1973 حين تجسدت اللحمة الوطنية فى صفوف القوات المسلحة والشعب المصري؛فوحدة الشعب ووقوفه خلف جيشه العظيم كانت حاسمة فى تحقيق انتصارات عسكرية وتعزيز الشعور بالكرامة الوطنية، وصولاً إلى ثورة 30 يونيو حين اتحد ملايين المصريين للإطاحة بحكم الإخوان الفاشى من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية. وتجلت فى السنوات الأخيرة اللحمة الوطنية فى مواجهة الجرائم والتهديدات الإرهابية، حيث تعاونت القوات المسلحة والشرطة والشعب المصرى لمكافحة الإرهاب مما ساهم فى تعزيز الأمن والاستقرار فى كافة ربوع الوطن، وفى إطار مشروعات التنمية، يعد مشروع قناة السويس الجديدة نموذجًا جليًا للحمة الوطنية بين الدولة المصرية وشعبها العظيم من أجل تعزيز التنمية والازدهار، وقدمت مبادرة القرن الملهمة «حياة كريمة» نموذجًا للسياسات العامة التكاملية غير المسبوقة لتبهر العالم بتلاحم كافة المؤسسات الوطنية الحكومية والأهلية والخاصة من أجل تطوير شامل لـ 4584 قرية واستهداف أكثر من نصف سكان مصر، طرحت من خلالها حلولا جديدة متكاملة لقضايا الفقر فى العالم، وعلى الصعيد الإقليمى وفى أعقاب الأحداث الدامية فى غزة، تجلت اللحمة الوطنية حين التف الشعب المصرى حول الموقف الثابت والحكيم للقيادة السياسية، كما أن تبادل التهانى بين الأزهر الشريف والكنيسة القبطية هو تجسيد حى للقيم المشتركة التى تجمع بين المصريين، كالإخاء والتسامح والمواطنة، والتى تشكل أساسًا متينًا لبناء مصر الحديثة.

وتُظهر تلك الأمثلة كيف كانت اللحمة الوطنية ولاتزال عنصرًا أساسيًا فى تاريخ مصر، حيث ساهمت فى حماية البلاد وتعزيز استقرارها عبر مختلف الأزمنة, فهى تعزز من قدرة الشعب على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وترسخ الهوية الوطنية، والقيم الإنسانية والاستقرار السياسى والاقتصادى والاجتماعى مما يساهم فى صمود الدولة وتماسك نسيجها المجتمعى خاصة فى مواجهة التحديات الإقليمية والدولية والتصدى للفكر المتطرف والشائعات، والاستعداد دائمًا للدفاع عن الوطن العصى على الانقسام،اللحمة الوطنية هى الكنز الأغلى الذى يمتلكه الشعب المصرى الشامخ، وهى السبيل لتحقيق التقدم والازدهار، ولذلك الواجب الوطنى يستلزم العمل المشترك والتكاتف من أجل حماية الوطن من أى تهديدات، ومن أجل تعزيز اللحمة الوطنية يجب العمل على غرس قيم المواطنة فى التعليم، تحقيق العدالة الاجتماعية والمزيد من التسامح وفتح المجال للحوار البناء بين مختلف الأطراف ولا سيما المشاركة السياسية لإشراك كل أطياف الشعب فى عملية صنع القرار، خاصًة ونحن على أعتاب انتخابات برلمانية جديدة نأمل أن تفرز تكتلات برلمانية تمثل كافة التوجهات لتتكامل معًا من أجل تلبية احتياجات وتطلعات الشعب المصري؛ فعندما يشعر المواطنون بأنهم جزء من نسيج هذا الوطن، تزداد ثقتهم ودعمهم للمؤسسات، مما يسهم فى تحقيق الاستقرار واستدامة التنمية.


لمزيد من مقالات د. سلوى ثابت مكى

رابط دائم: