إننى ممن يظنون دائمًا أن لكل قضية ثقافتها الخاصة ولكل موضوع إطاره الفلسفى الذى يسبق كيانه المؤسسى ولاشك أن التعليم هو قضية القضايا يهم كل كائن على أرض الوطن, ويعتبر الشغل الشاغل لكل أسرة فيه، لذلك كان اهتمامنا به قائمًا ودائمًا، وأتذكر أننى استقبلت فى الأسابيع الأولى لثورة 25 يناير 2011 فى مكتبى الخاص وسط المدينة السفير البريطانى حينذاك بناءً على طلبه وكان رجلاً طويل القامة وسيم الطلعة، وهو حفيد لأحد رؤساء الوزارة البريطانية فى مطلع القرن الماضى، وقال لى إنه مكلف من وزارة الخارجية فى بلاده باستطلاع آراء عدد من المثقفين المصريين والمعنيين بشئون الفكر والتعاطى مع فروع المعرفة لكى يستمع منهم على ما يمكن أن تقدمه بريطانيا للدولة المصرية فى تلك الظروف التى كان شبابها محط الأنظار وموضع التقدير، فقلت له يا سعادة السفير أحدثك عن قضية واحدة هى قضية القضايا وأم المسائل وأعنى بها التعليم أولاً وثانيًا وثالثًا، فالتعليم هو مفتاح الدخول إلى المستقبل وهو أيضًا المدخل للصعود الطبقى وهو كذلك مرآة العصر ومصدر التقدم والتفوق والسبيل إلى النهضة، ففى بلدنا مصر قامت ركائز النهضة على أعمدة من التعليم الذى وفد إلى مصر بعد حركة الابتعاث الدراسى وعودة المبعوثين فى عصر محمد على وأولاده إلى الوطن المصرى حاملين مشاعل النور ومصابيح المعرفة يتقدمهم رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك وغيرهما من الرواد الأوائل، وأضفت أن بريطانيا باعتبارها إحدى دول الاحتلال فى تاريخ بلادنا هى مدينة لهذا الشعب بقدر من التعويض يبدأ بمعضلة التعليم العام ولا ينتهى بالتعويضات المطلوبة لإزالة ألغام الحرب العالمية الثانية من صحراء مصر الغربية، وكان الرجل لطيفًا وبسيطًا، فقال لى دعنا نركز الآن على قضية التعليم، فهو الأب الشرعى لكل ما هو إيحابى، وأتذكر أننى اقترحت عليه يومها ونحن نتناول قدحين من الشاى فى مكتبى بشارع طلعت حرب والذى سعى إليه السفير البريطانى مثلما سعى لزيارة غيرى لذات الهدف، قلت له يومها إننى أتمنى على المملكة المتحدة أن تقوم بمبادرة خاصة لمصر تستقبل فيها كل عام آلاف المبعوثين من المعلمين والمعلمات خصوصًا فى المراحل الدراسية الأولى ليتلقوا تدريبات عملية لمدة لا تقل عن ستة شهور ولا تزيد على عامٍ كامل، بحيث يعودون إلى الوطن المصرى وقد تغيّرت أفكارهم واتسعت رؤيتهم نتيجة الاحتكاك الثقافى والخبرة التعليمية الحديثة التى يلتقطها المعلمون والمعلمات من مصر أسوة بما جرى مع دول من الكومنولث، وفى مقدمتها الهند منذ عدة عقود، ووافقنى السفير البريطانى المهذب يومها فى كثير مما قلت وكان يدون فى أوراق معه تلك الملاحظات والاقتراحات والتى سعى لجمعها حول تلك الانتفاضة المفاجئة سياسيًا والمتوهجة ثقافيًا والتى كانت تسعى فى البداية إلى كسر الحواجز وفتح النوافذ لكى تتدفق أجيال جديدة من أبواب الوطن المصرى إلى كافة بقاع الجمهورية، لذلك فإننى أكتب اليوم عما أسميه ثقافة التعليم التى تؤدى إلى تأصيل أساليب المعرفة وتأكيد الإحساس المشترك بأن التعليم هو قضية القضايا والذى اشتهرت بالانحياز له مناطق فى وسط الدلتا المصرية وأطراف الصعيد، حيث كان يعاير بعض الفلاحين بعضهم الآخر بأن ابنهم اكتفى بالحصول على الدرجة الجامعية الأولى ولم يضرب بسهمٍ فيما هو أعلى، وأنا شخصيًا أنتمى لمحافظة البحيرة التى تضم مركز «كوم حمادة» الذى تبلغ نسبة التعليم فيه الإلزامى والعام ما يقرب من المائة بالمائة، فضلاً عن وجود بعض القرى مثل قرية (خيربتا) على سبيل المثال تضم داخل الأسرة الواحدة عددًا من حملة الدكتوراة وبعض علماء الوطن فى مختلف المجالات وشتى التخصصات، ويجب أن ندرك دائمًا أن كل محاولات إصلاح التعليم فى مصر أضافت وتضيف إليه ولكن تبقى المشكلة مركزة فى تكوين الإنسان المصرى ذاته وغياب الوعى أحيانًا بقيمة التعليم لديه متناسين أن المدرسة المصرية والكُتَاب الذى كان منتشرًا فى ربوع القرى قد أدت كلها إلى الدفع بفئة من أولاد الأعيان فى محافظات الوجه البحرى مثل الدقهلية أو محافظات الوجه القبلى مثل المنيا وأسيوط إلى الاندفاع فى تيار عارم للمنافسة العلمية فلمعت فيها أسماء مثل أحمد لطفى السيد الملقب بأستاذ الجيل وطه حسين عميد الأدب العربى وعدد من أعلام الأزهر الشريف من خريجى المعاهد الدينية المستنيرة قبل أن تسطو على بعضها مجموعات لا تعرف التسامح ولا تدرك قيمة التعايش المشترك.
ولسوف يبقى التعليم هو جوهرة الأمة وأيقونة شعبها والأخذ بناصيتها والمتربع على عرش الكلمة فيها والذى يقودها إلى كل تقدم ورقى، فالعلم يرفع بيتًا لا عماد له والجهل يخفض بيت العز والكرم، دعنا نأمل للكنانة ولمسيرة التعليم فيها إلى ما يؤدى بحق إلى رفعة هذا الوطن ليحلق فى سماوات العلا كما كان دائمًا.
لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى رابط دائم: