منذ ثلاثة عشر عاما لم يراودنى شك فى أن نظام بشار الأسد فى سوريا راحل لامحالة، المسألة كانت بالنسبة لى فرق توقيت لا أكثر، كتبت عشرات المقالات فى الأهرام منذ اندلاع الثورة السورية بعد 15 مارس 2011، ولمدة أربع سنوات كان أبرزها بعنوان «بشار ديكتاتور أسوأ من صدام حسين» وأن الرجل هو حانوتى الشعب وبطل مهركة البراميل المتفجرة ثم توقفت بعد ذلك.
كنت ألتقى بشكل شبه أسبوعى قيادات ائتلاف المجلس الوطنى السورى - المعارضة - كلما حضروا والتقوا فى اجتماعات عبر ما كان يعرف بمنصة القاهرة، كانت هناك شخصيات تقيم فى القاهرة لمدد طويلة مثل د.هيثم المالح وفايز سارة وميشيل كيلو والسيدة فرح الأتاسى وغيرهم الكثير، كان لديهم يقين بأن الأسد سيذهب لامحالة، حجم الجرائم والانتهاكات والتخريب فى مناطق الشمال لايمكن أن يستوعبها عقل، وكانوا يعرضون فى اجتماعاتهم بالقاهرة الصور والأرقام المحدثة وإعداد القتلى، ومضى الزمن دورته حتى انتهت حقبة آل الأسد فى سوريا بعد 53 عاما، كانت نقطة اعتراضى فقط والتحذير مع قيادات الائتلاف من التماهى مع الجماعات المسلحة فى مناطق الشمال الشرقى حتى محافظة إدلب، وانتهى الائتلاف وانفض عمليا عام 2017 بعد نجاح روسيا فى توفير شبكة الإنقاذ لبشار، وانتهت موجة المعارضة الوطنية، وامتطت الجماعات والفصائل المسلحة ظهر الجميع فى سوريا، وجاءت أحداث الثامن من ديسمبر الحالى وذهب نظام بشار، وتصدق نبوءة سقوط البلاد فى أيدى الجماعات المسلحة، وهيئة تحرير الشام مع أحمد الشرع، بعد جملة مراجعات تحدث عنها عن شخصه وفصيله.
لامبالغة فى القول إننى كنت من أشد المتحمسين لسوريا فى عهد حافظ الأسد، وقليل من الخوف والحيرة فى عهد خلفه بشار، حتى أحداث مارس عام 2011، فحدث الطلاق لحماسة الشغف بحكم هذه العائلة، وكانت تربطنى بفاروق الشرع أمهر وزراء خارجية سوريا، صلات وعلاقات وثيقة لسنوات، ولكنى كنت فاقداً كثيرا من الفرص الضائعة التى أهدرها حافظ وابنه بشار، كانت قناعتى أن الأب والابن أضاعا فرصا بالجملة، برفض التعاطى مع دعوات السلام، واهدار نجاحات حقيقية كانت فى متناول اليد خلال المفاوضات السورية - الإسرائيلية فى عهد حافظ الأسد مع إسحاق رابين وإيهود باراك، وبالأخص فى فترتى الرئيس الأمريكى بيل كلينتون، حيث كنت أتابع تلك المفاوضات عن قرب وأكتب عنها يوميا، والتقى الشرع وعبدالحليم خدام نائب الرئيس السورى وقتذاك فى القاهرة، وقناعتى أن هناك ثلاث فرص ضائعة نسفها حافظ وبعده بشار، كانت جديرة بتغيير وجه سوريا، الأولى عندما ذهب الرئيس أنور السادات إلى سوريا ليطلب تعاطى الأسد الأب، إيجابيا مع مبادرته زيارة تل أبيب، والانضمام إلى مفاوضات سلام مع المصريين والفلسطينيين، لتحرير الأرض العربية، عبر اتفاقيات سلام مع إسرائيل، تعيد الجولان والأرض العربية، وكانت ردة الفعل السورية عبثية، حيث رفض حافظ وكاد يحبس السادات فى دمشق لمنعه من زيارة إسرائيل، كما ذهب الأسد بعيدا فى تحريض الفلسطينيين والعرب ضد مصر، وشجع صدام حسين على تكوين جبهة لعزل مصر ونقل مقر الجامعة العربية إلى تونس.
وكانت الفرصة الثانية مع إسحاق رابين، برعاية أمريكية وتم حل أكثر من 95% من القضايا الخلافية فى مباحثات شبردز تاون بولاية فرجينيا بأمريكا، ولقاءات مماثلة فى جنيف، وقدم رابين للأسد الأب ما يعرف (بوديعة رابين)، ولكن حافظ رفض طلب رابين وبعده إيهود باراك تركيب كاميرات فوق بحيرة طبرية لتأمين الجانب الإسرائيلى، والتقى كلينتون ومادلين اولبرايت وزيرة خارجيته الأسد والشرع فى جنيف، واجتمعوا لست ساعات قبل رحيل كلينتون، وأبلغه يومها أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ حكمه وبلاده والحصول على الجولان، وتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وكالعادة تمسك الأسد بالعناد والتصلب المعروف به، وقيل لى بعدها من فاروق الشرع، إن كلينتون أبلغ حافظ فى اللقاء إنك لست صلاح الدين ولن تحرر القدس، فربت الأسد على كتف كلينتون وهو ينهض وينهى الاجتماع، وقال إننا فى العالم العربى لدينا حكمة تقول: «طيلة العمر تبلغ الأمل»، وكانت الفرصة الثالثة مع بشار بعد سقوط صدام حسين، حيث عرض الأمريكان والإسرائيليون عبر مبعوثين خاصين، التزام سوريا بعدم تهريب المسلحين والأسلحة من أراضيها باتجاه العراق والتخلى عن محور المقاومة والابتعاد عن إيران والتنظيمات المسلحة، مقابل معاودة المفاوضات مع الإسرائيليين، والحصول على كل ما يرغبون، وتوقيع اتفاق سلام كامل، وكان الرد السورى الرفض.
فى تقديرى أن سقوط بشار لم يكن وليد الأيام الأخيرة فقط، فهذا الأمر كان مثار تخطيط ربما بدأ بعد طوفان الأقصى فى غزة، حيث شاركت إسرائيل مع الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا، وتقرر تفعيل هذا السيناريو بشكل تدريجى، حيث وصلت القناعة بتحقيق المراد مع نجاح ترامب فى الانتخابات الرئاسية، فتقرر المضى قدما فى تحديد ساعة الصفر والتنفيذ مع بدء سريان وقف إطلاق النار فى جنوب لبنان ليلة السابع والعشرين من نوفمبر، حيث تلمح الصحافة الأمريكية أن رئيس الاستخبارات فى دولة كبرى فى الإقليم تلاصق حدود سوريا، ذهب والتقى ترامب فى منتجعه الخاص لساعات طويلة وحصل على الموافقة، بعد أن سبقتها تفاهمات عديدة مع روسيا وإيران، بأن نظام بشار انتهى وراحل مقابل مكاسب لروسيا فى أوكرانيا والإقليم، وهكذا سقط بشار بتفاهم وقرار دولى بين الكبار.
لمزيد من مقالات أشرف العشرى رابط دائم: