تعد الدائرة الإفريقية إحدى الدوائر الأساسية فى سياسة مصر الخارجية، وخلال السنوات العشر الماضية سعت القاهرة حثيثا لإعادة تشكيل علاقاتها بالقارة السمراء بهدف استعادة دورها الرائد فى القارة والبناء على الرصيد التاريخى لمصر فى محيطها الإفريقى بعد عقود من التراجع والركود.
هذه الرؤية الواضحة لدى القيادة السياسية، لقيت إدراكًا ووعيًا بأهميتها لدى وزارة الخارجية، خاصة فى ظل التوجه الحالى بإعادة تشكيل علاقات مصر بدول الجوار الإفريقي، عبر تبنى مقاربة الشراكة الإقليمية والتعاون التنموى لمواجهة التحديات القائمة. وهو ما ظهرت ملامحه واضحة فى تحركات الدبلوماسية المصرية، التى لم تكتف فقط بتعزيز العلاقات مع دول القارة، ولكنها تصدت للعب دور واضح فى ايصال وتوضيح مشكلات وقضايا ومصالح الدول الإفريقية فى كل المحافل الإقليمية والدولية، سواء تلك المتعلقة بقضايا السلم والأمن، أو مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، أو الأعباء الاقتصادية المترتبة على الدين الخارجى لعدد من دول القارة، وغيرها من القضايا.
ليس أدل على هذا التوجه من متابعة التحركات المكثفة التى قام بها مؤخرا الدكتور بدر عبدالعاطي وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج ، فعلى مدى شهور قليلة منذ أن تولى حقيبته الوزارية، كانت تحركاته وزيارته واتصالاته الهاتفية مع نظرائه الأفارقة واضحة الأهداف، فى سعيها للحفاظ على مصالح الأمن القومى المصرى وتنفيذ رؤية القيادة السياسية، فى ضرورة تبنى نهج شامل لتعزيز مجالات وأفق التعاون المشترك على كل الأصعدة والمستويات الثنائية والإقليمية والقارية والدولية، بحيث يمكن القول إنه أحدث نقلة نوعية حقيقية فى علاقات مصر بمحيطها الإفريقي.
هذا التحول لم يظهر فقط خلال تولى مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقى للمرة الثانية فى أكتوبر الماضي، ولكنه تعدى ذلك للعديد من المظاهر والتى تؤكد جميعها محورية الدور المصرى فى إفريقيا.
ولعل من أهم مظاهر هذه التحركات الاستراتيجية الأخيرة والتحول الذى يقوده عبدالعاطي، هو الانفتاح على دول القارة بأكملها، والانتقال من الاكتفاء بالحديث عن الدور التاريخى لمصر فى دعم حركات التحرر الوطنى رغم أهمية هذا الدور، إلى الانخراط فى عمليات التنمية من خلال الشراكة الاقتصادية وتعزيز الوجود المصرى فى القطاعات الصحية وقطاعات البناء والتشييد، استنادا لخبرات الشركات المصرية فى هذه المجالات، فضلا عن مشروعات بناء السدود، ووضع أطر جديدة للتعاون مثل انشاء لجنة للشئون الإفريقية بمجلس النواب.
بدوره يعد الاهتمام بعمليات حفظ السلم والأمن وتسوية الأزمات والنزاعات فى مختلف دول القارة، من أهم المجالات التى تتحرك فيها الدبلوماسية المصرية، خاصة أن تسوية الأزمات تعد أحد أهداف أجندة التنمية المستدامة للاتحاد الإفريقى 2063، التى تهدف لإنهاء جميع الحروب والنزاعات فى القارة، ومنع جرائم الإبادة الجماعية، وتعزيز الحكم الرشيد والمساءلة والشفافية.
والأمثلة على الترجمة العملية لهذه الرؤية الواضحة كثيرة ومتعددة، ومنها على سبيل المثال اتصاله الهاتفى مع نظيره الإريتري، والذى تناول العلاقات الثنائية، والحرص المتبادل على تطويرها فى كل المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية، والبناء على الزيارة التاريخية التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى اريتريا ولقائه الرئيس الإريترى «أسياس أفورقي»، فى أكتوبر الماضي، وهى الزيارة التى نتج عنها تدشين مرحلة جديدة من التعاون الثنائي، فضلا عن مواصلة التنسيق الثلاثى بين مصر وإريتريا والصومال، والتشاور حول دعم الأمن والاستقرار فى منطقة القرن الإفريقى والتأكيد على أهمية احترام سيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه.
أما التعاون فى أوغندا فقد احتل بدوره أهمية خاصة، خاصة فى ظل التوقيع على إعلان مشترك بين البلدين مؤخرا، فى ختام جولة مشاورات سياسية عقدت على المستوى الوزاري، يتعلق بتطوير العلاقات الثنائية.
وفى هذا الإطار، جاء حرص عبدالعاطى على بحث الأوضاع فى منطقتى البحيرات العظمى وحوض بحيرة تشاد والساحل والقرن الإفريقي، وتأكيد ضرورة استمرار الجهود الهادفة لمكافحة الإرهاب من خلال تبنى استراتيجية شاملة تتناول الأبعاد الأمنية والتنموية والفكرية لظاهرة الارهاب، ودعم الأزهر الشريف فى تدريب الائمة فى أوغندا، والقضاء على الجريمة المنظمة التى تهدد أمن وسلامة المجتمعات الإفريقية.
وفيما يتعلق بملف الأمن المائى والرباط الأزلى الذى يربط البلدين من خلال نهر النيل، كان هناك تأكيد على دعم مصر الدائم للتنمية فى دول حوض النيل، بما فيها للمشروعات المائية فى أوغندا ومنها سد «اوين»، وذلك فى ضوء ضرورة حوكمة التعاون العابر للحدود فى نهر النيل وفقاً لقواعد القانون الدولي، لاسيما الإخطار المسبق والتشاور والتوافق وعدم الإضرار، وفقاً للالتزامات والممارسات المستقرة دولياً.
بدورها، حظيت العلاقات مع مالى باهتمام كبير تجلت مظاهره فى زيارة وزير خارجية مالى للقاهرة مطلع الشهر الحالي، والتى جرى فيها تأكيد أن العلاقات تستند على أسس من التعاون المشترك لتحقيق الاستقرار والتنمية فى القارة الإفريقية، وعلى التزام مصر بمواصلة دعمها لمالى فى مسيرتها نحو تحقيق التنمية المستدامة واتفاق الطرفين على تعزيز أطر التعاون الثنائى وزيادة حجم التبادل التجارى والاستثمارات المشتركة مع التركيز على قطاعات الصحة، والتشييد والبناء، والبنية التحتية، والطاقة الجديدة والمتجددة. فضلا عن دعم مصر لجهود مالى الرامية لمكافحة الإرهاب واستعادة الأمن والسيطرة على كل أراضى الدولة، وتأكيد موقف مصر الثابت بإدانة كل أشكال التطرف والإرهاب، وتأكيد حرص مصر على الاستمرار فى دعم قدرات المؤسسات الوطنية المالية فى مختلف القطاعات.
التحركات المصرية شملت كذلك رواندا، من خلال الاتصال الهاتفى الذى أجراه عبدالعاطى مع نظيره الرواندي، لبحث التعاون فى المجال الصحى والاقتصادى والتجاري، وكذلك بناء القدرات وتبادل الخبرات من خلال برامج التدريب التى تنظمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، وهو الاتصال الذى تناول استعراض تطور سير العمل فى «مركز مصر-رواندا مجدى يعقوب للقلب» والذى يعد امتداداً لأنشطة أحد أهم المراكز المصرية لعلاج القلب فى القارة الإفريقية،
أما ما يتعلق بأنشطة مجلس السلم والأمن الإفريقى الذى تولت مصر رئاسته الدورية فى شهر أكتوبر الماضي، فقد حظى بدوره باهتمام واضح تمثل فى مشاركة وزير الخارجية افتراضيا فى الاجتماع الوزارى لمجلس السلم والأمن الإفريقي، الذى عقد نهاية الشهر الماضى وهى المشاركة التى حرص خلالها عبدالعاطى على تأكيد أهمية الالتزام بالمبادئ المؤسسة للاتحاد الإفريقي، بما فى ذلك احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل فى شئونها الداخلي، ومناقشة فاعلية أدوات المجلس فى التعامل مع التحديات الأمنية فى القارة، وأهمية تبنى استراتيجيات إيجابية تقوم على تعزيز المؤسسات الوطنية ودعم الدول الإفريقية فى فترات الانتقال.
تحركات وزير الخارجية تنوعت وتعددت لتشمل على سبيل المثال سلسلة من الاتصالات الهاتفية مع وزراء خارجية أنجولا وبنين وجزر القمر والرأس الأخضر ونائبة وزير خارجية سيراليون، وذلك فى إطار دعم العلاقات الثنائية فى مختلف المجالات مع الدول الإفريقية.
وخلال هذه الاتصالات أكد عبدالعاطى التطلع لتوطيد العلاقات مع الدول الإفريقية، واستشراف فرص جديدة للتعاون المتبادل لتحقيق المصالح المشتركة فى ظل العلاقات المميزة التى تجمع مصر بالدول الإفريقية.
ومن هنا كان حرص عبدالعاطى على المشاركة مع نظيره الجنوب إفريقى فى منتدى الأعمال المشترك بين البلدين فى القاهرة، بهدف تنشيط التعاون بين مجتمعى الأعمال والبناء على المناخ السياسى الإيجابى السائد بين البلدين.
ملف العلاقات مع الصومال، اكتسب بدوره زخمًا كبيرًا خلال الفترة الماضية، ولعل لقاء عبدالعاطى مع نظيره الصومالى فى الرياض أخيرا لمواصلة التنسيق ومتابعة مخرجات القمة الثلاثية التى عقدت بين مصر والصومال وإريتريا والقمة الثنائية بين مصر والصومال اللتين عقدتا فى أكتوبر الماضى بأسمرا خير دليل على ذلك، خاصة فى ظل الحرص المصرى على تأكيد موقفه الثابت من احترام سيادة الصومال والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه.
الاهتمام المصرى بتعزيز الأمن والاستقرار فى القارة كان حاضرًا أيضا وبشدة خلال لقاء عبدالعاطى مع وزير الخارجية والتعاون الإقليمى فى «بوركينا فاسو»، حيث تناولت المباحثات تصاعد التهديدات الإرهابية فى منطقة الساحل ومنطقة بحيرة تشاد من قبل الجماعات والتنظيمات الإرهابية المتواجدة فى غرب إفريقيا، وهى المباحثات التى حرص خلالها عبدالعاطى على تأكيد دعم مصر الثابت لجهود بوركينا فاسو فى مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار.
وكذلك مساندة مصر لجهود الكاميرون فى مكافحة التنظيمات الإرهابية فى ضوء الخبرة التى تتمتع بها مصر فى هذا المجال، وتنظيم دورات تدريبية من خلال برامج الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية ومركز القاهرة الدولى لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام.
رابط دائم: