رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

أحداث فاصلة فى صراعات الشرق الأوسط

تكشفت الأيام الأخيرة عن الأبعاد الشاملة للأحداث الفاصلة فى الصراع العربى الإسرائيلى فما جرى فى سوريا لا يبدو بعيدًا عما جرى فى غزة ولبنان، إذ إن هناك تنسيقا واضحا ولو فى الخفاء بين تلك الحروب التى طحنت المنطقة وجعلت الشرق الأوسط بحق كتلة من النيران والأشلاء والدماء منذ السابع من أكتوبر 2023 إذ إن هناك دلالات متميزة ومختلفة لطبيعة ذلك الصراع المزمن والمواقف الدولية والإقليمية منه، دعونا نعترف أن ما جرى قد كبد الشعبين الفلسطينى واللبنانى، وكذلك السورى بالضرورة خسائر فادحة وترك بصماتٍ مؤلمة على المنطقة، ولذلك نحاول أن نرصد نتائج ذلك فيما يلى:

أولاً: إن الفاتورة الكبيرة التى دفعها أهل غزة وسكان الضاحية الجنوبية لبيروت تعتبر نتاجًا لأوضاع معقدة وظروف صعبة دفع ثمنها أصحاب الحق فى مواجهة جيش الاحتلال، ولذلك فإن المرارة التى تركتها تلك الأحداث الدامية والمعارك البشعة سوف تظل صفحات مؤلمة من ملف الصراع العربى الإسرائيلى، كما أنها سوف تبقى فى سجل تضحيات الشعبين الفلسطينى واللبنانى اللذين قدما ما يفوق حالات التحرر الوطنى والكفاح المسلح ضد أى احتلال فى العالم المعاصر.

ثانيًا: إننى ممن يؤمنون بأنه رب ضارة نافعة، وأن ما جرى فى غزة ولبنان والتدخلات العسكرية ممن نطلق عليها ساحات الإسناد وما تبعها من صراع جديد على الحدود العربية التركية إنما هى كلها نواقيس تدق لكى تعلن أن الشرق الأوسط يكاد يكون على حافة حرب طويلة تأخذ المنطقة كلها فى اتجاهات غير متوقعة ومواقف غير محسوبة، فالساحة كانت ولا تزال قابلة للانفجار فى أى وقت، إن إسرائيل هى إسرائيل المعتدية دائمًا لا تحترم اتفاقًا ولا تلتزم بالمواثيق الدولية أو قرارات الشرعية، كما لا تبدو إسرائيل أيضًا بعيدة عما يجرى فى الأراضى السورية، ورغم كل ذلك فإننى أرى بصيصًا من الضوء فى نهاية ذلك النفق المظلم فلقد أدرك الجميع، سواء كانوا أصدقاء لإسرائيل وحلفاء لها أو كانوا من مناصرى القضية الفلسطينية والداعمين لها أن إسرائيل خارج كل الأطر القانونية والالتزامات الدولية، وأنها كيان عدوانى شرس يقتل الأطفال ويهدم العمران ويغتصب الأرض وما عليها، ومثل هذه القناعة التى بدأت تشيع فى الأوساط العالمية ومن فوق المنابر الدولية كفيلة بأن تؤدى إلى التحول الذى نتحدث عنه، فالتصرفات غير المسئولة التى مارستها إسرائيل وأمعنت فيها حتى تفاخرت بالعدوان ومضت فى خرق كل ما تعارف عليه المجتمع الدولى وتعاملت باستهتار ولا مبالاة مع الآراء التى أصدرتها محاكم القضاء الدولى، لذلك فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الظالمون المدى وشعر المجتمع الدولى كله حتى المؤيدون لإسرائيل إنها دولة تنتحر دون أن تفيق إلى المخاطر التى تنتظرها والعواقب التى ستؤول إليها فى ظل مناخ دولى محمل بالعديد من النذر السيئة.

ولن يحدث ذلك بين يوم وليلة ولكنه يحتاج إلى جهد شاق وتفكير مختلف من الدول العربية والإسلامية بل وكافة الدول التى تحترم ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان.

ثالثًا: إن السياسة الأمريكية توحى بأن هناك قرارات غليظة يحملها الرئيس القادم للبيت الأبيض دونالد ترامب ولن تكون فى معظمها لصالح الجانب العربى وشهداء القضية الفلسطينية، لذلك كله فإننا مطالبون بتفكيك التصورات القديمة عن الصراع العربى الإسرائيلى والدخول فى مراحل جديدة تتبلور فيها المسئوليات التى تتحملها كل الأطراف سعيًا نحو إبعاد الغيوم عن سماء المنطقة والتهيؤ بجدية لأفكار جديدة بما لا يمس ثوابت النضال وعقود الكفاح المسلح من أجل وطن فلسطينى تحت راية الدولة المستقلة.

لذلك فإننى أتصور أن الأعوام القليلة القادمة سوف تحمل فى طياتها تغيرات جذرية وتحولات كبرى فى الصراع العربى الإسرائيلى، ولا يمكن التنبؤ القطعى بمحتوى ذلك التغير فقد تحمل أسوأ مما حملته الأعوام الأخيرة، فلكل أمر نهاية ولكل عدوان وقت ينتهى فيه، لقد سقطت النازية من قبل وتوارت الفاشية، ولابد أن تنال الحركة الصهيونية جزءًا من النهايات التى عرفتها كل الأفكار اللاإنسانية المغتصبة لحقوق الشعوب.

إننى لا أزعم أنى مستغرق فى التفاؤل أو موحول بالتشاؤم ولكننى أزعم أنى أرى أن تصرفات إسرائيل فى السنوات الأخيرة تنبئ بأن النهاية ليست بعيدة وأن الأمل العربى لن يختفى أبدًا، فالحقوق لا تضيع خصوصًا إذا اقترنت بدماء الشهداء وعرفت تلك التضحيات الكبرى والفواتير الضخمة فى واحدة من أكبر الكوارث التى شهدتها منطقة فى عالمنا المعاصر.

إن الأمر كله يتوقف على الإرادة القوية والتعامل الذكى مع دول الجوار غير العربى حتى تصل السفينة إلى الشاطئ الذى تسعى إليه مهما طال الزمن وغابت الإنجازات فيوم النصر قادم.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: