رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

النفاق والانكشاف الغربى مرة أخرى

يبدو أن التغطية الأوروبية والأمريكية لجرائم إسرائيل لا حدود لها، وبات ينطبق عليهم قول السيد أحمد أبوالغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، حيث أبلغنى فى الأيام الأولى لحرب الإبادة الإسرائيلية فى قطاع غزة، بأن الغرب عموما وفى القلب منه الولايات المتحدة، مناوئون منافقون، وأن هذا النفاق هو من سيعطى تل أبيب الفرصة والغطاء لقتل أكبر عدد من فلسطينيى غزة، فى المقابل مازالوا يصدعون رءوسنا بقضايا مطاطة ممجوجة عن حقوق الإنسان، وفى كل مرة ألتقى مسئولا أوروبيا رفيعا هنا فى مقر الجامعة بالقاهرة، أو فى لقاء دولى، إلا وأطالبهم بضرورة التخلى عن هذا النفاق، واتخاذ خطوات بعيدة عن الانحياز الأمريكى السافر لإسرائيل، باعتبار إن هذه المواقف والنفاق الأوروبى يفقد المصداقية الأوروبية.

من جانبى لا أخفى سرا عندما أكتب وحسب المعطيات المتوافرة لدى من الأمين العام نفسه والمقربين منه، أنه كثيرا ما دخل فى نقاشات حامية مع وزيرة خارجية ألمانيا، وهاجم موقف بلادها صراحة من حرب الإبادة الإسرائيلية، مذكرا إياها بأن تسديد فواتير كارثة الهولوكست من قبل ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية، يجب ألا تكون على حساب الفلسطينيين وقضيتهم وحقوق العرب، ناهيك عن مواقف مماثلة مع وزراء الحكومة البريطانية السابقة برئاسة سوناك حيث كانت مواقفهم تتصف بالبشاعة، وكذلك وزيرة خارجية الأرجنتين عندما التقاها فى نيويورك، وحذرها من سياسات بلادها مع إسرائيل، وضرورة التخلى عن هذا الانحياز الأعمى، وإلا عليكم أن تجنوا سياسات وعلاقات متردية مع العالم العربى، ولم ينس أن يبلغها بقطيعة عربية لبلادها إذا تم نقل سفارة الأرجنتين إلى القدس.

وعندما عاد الأمين العام للجامعة من زيارة روما مؤخرا بعد مشاركته حوارات منتدى روما المتوسطى، ثم الاجتماع الصاخب جمع وزراء عرب مع وزراء خارجية دول السبع الكبرى، أبلغنى بأنه طالبهم بحل عاجل لوقف المذابح بغزة، والتخلى عن السلبية والنفاق الغربى، حتى أنه قال إن الرئيس الايطالى أُعجب بتلك المواقف وأبلغه بعد اجتماع الفاو، بأنه يتفق مع كل ماتحدث به، وبأنه يدعوه أيضا لإبلاغ نفس الرسائل لمجموعة السبع، وهكذا كان كل حديث أبو الغيط ولسان حاله للمشاركين فى تلك الاجتماعات ابدأوا وتحركوا وتخلوا عن هذا النفاق، وليكن وقف المذابح وتطبيق قرار الجنائية الدولية بحق نيتانياهو ووزير دفاعه السابق البداية.

فى تقديرى ان قصة الانبطاح الغربى أمام إسرائيل، لن تتوقف أو تتغير، بل تتزايد وتتشعب لكن سرعان ما تنكشف، وإن سيرة هذا النفاق وتوزيع الأدوار الأوروبية تحديدا، قد عادت بقوة مع قرار الجنائية الدولية بحق اعتقال نيتانياهو وجالانت، حيث رحب الغرب فور صدور قرار الجنائية الدولية مؤكدا الالتزام بتطبيقه، باستثناء ثلاث دول عرفت بالانحياز المخجل لتل أبيب وهى أمريكا وألمانيا والمجر، حيث كانت مواقفها سلبية تعبر عن تأييدها لمعركة الإبادة الإسرائيلية فى غزة، وكلما انتفض العالم وطالب مجرم الحرب حسب توصيف الجنائية الدولية الأخير ـ نيتانياهو ـ سارعت الدول الثلاث وادعت إن الوقت غير مناسب لوقف جرائم النازيين الجدد، ثم فوجئ العالم بتهتكات تضرب مواقف بعض الدول من أصحاب الصوت المؤثر فى أوروبا، بالتخلى عن تطبيق قرار الجنائية الدولية، فبريطانيا المتحمسة للقرار، تراجعت وتقول الآن إنها ستدرس الأمر عندما يصل نيتانياهو إلى لندن، ثم تراجعت حكومة ماكرون عن الالتزام بقرار الجنائية، والقبض على نيتانياهو اذا فكر فى زيارة باريس، لتقول الآن إن القرار غير ملزم، وإن باريس لاترى أن معيار الملاحقة يخص بلادها، وذلك بسبب رفض تل أبيب لأى دور فرنسى فى وقف إطلاق النار فى لبنان، لتحدث المقايضة، وركعت فرنسا لنيل رضا تل أبيب، فضلا عن تراجع إيطالى إذعانا للضغوط الإسرائيلية.

وهكذا النفاق الغربى الذى أوجد التبريرات الرخيصة لإسرائيل، بارتكاب تلك الفظاعات الوحشية فى غزة منذ الثامن من أكتوبر 2023، مستمر ويتزايد، والكارثة أن الدول الأوروبية أعضاء المحكمة والموقعة على ميثاق روما، هى من يتراجع ويخالف قرار الجنائية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فى حين إنهم مع واشنطن رفعوا الصوت عاليا تأييدا لقرار نفس المحكمة بشأن الرئيس الروسى بوتين.

لا مبالغة فى القول إن حرب غزة وقرار الجنائية الدولية كانا كاشفين لجوهر الزيف والنفاق الغربى الرخيص فى أجلى صوره، حيث لم ينصف الفلسطينيين فى تلك الحرب من قبل الغرب والمجتمع الدولى، بعيدا عن أنصار ومؤيدى الحقوق الفلسطينية من الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين الأحرار فى العالم، سوى ثلاث شخصيات من الغرب فقط الأول هو الأمين العام للأمم المتحدة جوتيرتش، حيث ناصر وأيد الحق الفلسطينى منذ اللحظة الأولى للمقتلة الإسرائيلية فى غزة، وفضح الممارسات النازية تلك فى الأراضى الفلسطينية واللبنانية، وأبلغ حكومة الحرب فى تل أبيب أن «طوفان الأقصى» لم يأتِ من فراغ، والثانى جوزيب بوريل مسئول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبى وهو الأكثر شرفا ونزاهة، لم يتوان عن كشف الممارسات العدوانية لنيتانياهو وجيشه، وطالب باعتقال ومحاكمة كل مجرمى الحرب فى إسرائيل دون استثناء، أما الأخير فهو كريم خان المدعى العام للجنائية الدولية فقد تحدى الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ولم يخضع امام هذا الابتزاز، ولديه الإصرار والعزيمة على جلب مجرمى الحرب فى إسرائيل للمحكمة، أما بقية الغرب فكما يقول أبوالغيط هم منافقون مناوئون.


لمزيد من مقالات أشرف العشرى

رابط دائم: