ازدهرت فى القرن العشرين ظاهرتان متوازيتان تقومان على الأصولية الدينية فى مزيج واضح مع المشاعر الوطنية المتصاعدة على نحوٍ يجعلنا نطلق عليها تعبيرًا جديدًا هو (القومية الدينية)، وهى تؤمن بالتطرف واتخاذ المواقف الحدية والارتباط بأعلى درجات التعصب والانحياز، فالمسألة اليهودية فى أوروبا والمد الإسلامى فى الشرق الأوسط شكلتا فى مجموعمها تيارين كبيرين ينتميان إلى اثنتين من الديانات السماوية الكبرى وهما اليهودية والإسلام، على اعتبار أن الدور الدعوى للمسيحية يمضى على طريق التبشير الكنسى بشكل سلمى إذ انتهت حروبه بما نطلق عليه تصحيحًا (حرب الفرنجة) المسماة تاريخيًا بالحروب الصليبية، فاندمجت الواجهة الدينية للديانة المسيحى داخل إطار الثقافة السياسية المستمدة من القوانين الوضعية التى تراكمت تقاليدها فى القرون الثلاثة الأخيرة، بحيث ظهر تيار مادى يحيى تقاليد متشددة تقوم على أسس مستمدة من روح القبائل التى شكلت التركيبة السكانية فى أوروبا الشرقية والغربية من السلاف واللاتين والأنجلوساكسون وغيرها فبرز الفكر الماركسى والداروينية وجاءت قراءة سيجموند فرويد لملامح البصمة الوراثية البشرية وفقًا للتفسير النفسى لكى ترسخ المفهوم المادى الذى سيطر على الفكر الأوروبى فى القرون الأخيرة، ولكن بقى المشروعان الكبيران اليهودى والإسلامى يقفان بعد كمون طويل ليمارسا بعد ذلك تأثيرًا بغير حدود على القرن العشرين وما بعده، وها هى المواجهة الحالية التى تقوم فى جوهرها على صراع سياسى حول أرض اغتصبها اليهود من المسلمين والمسيحيين فى فلسطين موجهة ضربة مباشرة للوجود العربى فى الشرق الأوسط وغرب آسيا، وكانت البدايات مع إرهاصات الفكر الصهيونى الذى تبلور على يد تيودور هرتزل وأبرز سماته مؤتمر بازل بسويسرا 1899، وجاء بعد ذلك بأعوام قليلة انهيار الدولة العثمانية عندما أطل مفهوم جديد للخلافة على الإقليم كله وظهر اسم «حسن البنا» الداعية المصرى المسلم من مدينة الإسماعيلية مبشرًا بميلاد جماعة الإخوان المسلمين، فى الوقت الذى كان فيه المشروع اليهودى يتنامى ويزدهر ويعمد فى صمت إلى ترتيب مؤسسات دولته الصهيونية المزعومة على أسس تاريخية ودينية لا سند لها إلا بالأكاذيب الملفقة والوقائع غير الموثقة، وتمادى اندفاع الحركة الصهيونية لاغتصاب أرض فلسطين العربية واتباع الأساليب الإرهابية لقمع ثورات الفلسطينيين وانتفاضة ذلك الشعب الباسل فى مراحل تاريخية مختلفة، حتى قامت الدولة الصهيونية عام 1948 على أنقاض الحق والشرعية والسلام والاستقرار، وأصبح المشروعان الإسلامى الذى يقوده حسن البنا والصهيونى الذى تناوبت على قيادته أسماء الآباء المؤسسين للحركة الصهيونية وازدهارها يعملان بشكل متوازٍ اتخذ من الشرق الأوسط قاعدة الانطلاق وبداية المسيرة التى عاصرت الحربين العالميتين الأولى والثانية وخرجت الصهيونية منهما بمظلومية خبيثة تجاه الحكم النازى، فأحالت الهولوكوست إلى وبال على شعب فلسطين وأرضها بدلاً من أن تتجه إلى الانتقام من الدول الأوروبية الشريكة فى المأساة اليهودية وفى مقدمتها ألمانيا، وبذلك أصبح العرب والمسلمون أيضًا محصورين بين المشروعين الكبيرين المستمدين من تبريرات عبرية وتفسيرات عربية حتى أضحت مفردات اللاهوت اليهودى متشابهة مع مفردات التعصب الإسلامى، وظهرت بينهما وحدة المنهج رغم اختلاف الأساليب، وهنا نسجل اعترافنا أن الأغلب الأعم من المقاومة العربية الإسلامية للمد الصهيونى فى فلسطين قد اعتمدت فى مجملها على دوافع قومية ليست بالضرورة متعصبة ضد اليهود، ولكنها بكل تأكيد مدركة للضغوط التى تمارس عليها من اتجاهات مختلفة، وبذلك تحكمت الأصولية اليهودية والأصولية الإسلامية كل فى مجاله بتأكيد الأفكار المتشددة وصناعة المواقف المتعصبة وإهدار قيم مهمة مثل التسامح وقبول الآخر ومزاحمة الفكر الليبرالى فى المساحة التى احتلها بعد الحرب العالمية الثانية والتفكير فى عالم جديد يسمح بالتحرر الوطنى واستقلال الشعوب المحتلة ويسعى لتكريس العلم والتكنولوجيا فى خدمة الإنسان والأوطان، أيها السادة: إن التداخل بين هذين المشروعين والتضارب بين الأصوليات هى فى مجملها أسباب كامنة وراء الصراعات التى نشهدها فى العقود الأخيرة والذى تصاعد فى الآونة الأخيرة على نحو غير مسبوق على أرض فلسطين وفى الساحة اللبنانية، وهو الذى أدى إلى ظهور الرافد الإيرانى منذ عام 1979 حتى الآن ليجعل من المشرق العربى ساحة للصراع بين إسرائيل المغتصبة وإيران الوافدة، ونحن إذ ندرك سماحة الأديان السماوية ورحابة أساليب التفكير فيها فإننا ندهش فى الوقت نفسه مما يمكن أن نطلق عليه الضغط الأصولى على المنطقة، ولكن يستحيل أن نساوى بين الضحية والجلاد فمن سرقت أرضه واغتصب حقه ليس كمن جاء من بعيد ليغتصب ويقتل ويدمر ويهدم ويخرب وكأن سرقة الأوطان تعتمد على اختلاف الأديان، إننا أمام صيحات نكراء وأفكار مظلمة وروح عابثة. ولا نختتم هذا المقال دون أن نؤكد مشروعية وأهمية المقاومة ضد الاحتلال أيًا كانت أنواعه وأساليبه، فالمقاومة تعبير عن الحياة ونضال من أجلها.
لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى رابط دائم: