عندما أتابع وأرصد مواقف إيران خاصة فى الآونة الأخيرة، يتأكد لى صواب الواقعة الخاصة بينى وبين وزير الخارجية الأسبق احمد ماهر وردة فعل الرئيس الأسبق حسنى مبارك عليها، تلك قصة سيأتى ذكرها الآن، ولكن ماجعلنى أتذكر تلك الوقعة هو ما صدر عن إيران من تصريحين، الأول هو ما طالعته فى الأيام الأخيرة من تصريحات على لسان المرشد الإيرانى على خامنئى فى احتفالية ذكرى أربعينية الحسين، عندما خرج يستدعى الماضى من ألف وثلاثمائة عام، ويؤجج المشاعر بين الطوائف الإسلامية عندما يقول إن الأزمة والحرب بين الحسينية، فى إشارة إلى الحسين بن على، ضد اليزيدية، فى إشارة إلى يزيد بن معاوية، لم تنته ولم تتوقف، وإن الحساب على اليزيديين قادم. ثم التصريح الثانى بعدها مباشرة عندما زار رئيس وزراء ووزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبدالرحمن طهران، ليطلعها على نتائج مفاوضات الهدنة بين حماس وإسرائيل، التى تشارك فيها قطر مع الوسيطين المصرى والأمريكى ويطالب قادة طهران بتأجيل الرد الإيرانى على اغتيال إسماعيل هنية، أملا فى عدم تعقيد الموقف فى الإقليم، وإتاحة الفرصة لإنجاح جهود التهدئة. واللافت للنظر أنه رغم العلاقات الخاصة والحميمية جدا بين طهران والدوحة لسنوات طويلة، إلا أن ما صدر عن طهران فى اليوم التالى لزيارة بن عبدالرحمن كان مفاجئا ومستغربا، حيث خرجت وكالة مهر الإيرانية للأنباء وهى وكالة شبه رسمية ومحسوبة على القيادة هناك، تكيل القدح لقطر وتكثر التهم لها، وقتها فقط لم تصبنى الدهشة من مواقف طهران وتذكرت واقعة الوزير أحمد ماهر.
تلك الواقعة التى تعود إلى 27 مارس عام 2004 عندما كنت مراسلا صحفيا للأهرام فى وزارة الخارجية سنوات طويلة، ورافقت وزير الخارجية أنذاك أحمد ماهر التى كانت بيننا محبة ومشاكسات يومية فى المؤتمرات الصحفية بالخارجية، سرعان ما يبردها المتحدث الرسمى فى ذلك الوقت السفير طارق عادل، رافقت الوزير موفدا على نفقة الأهرام إلى إيران وكنت الصحفى الوحيد معه لحضور القمة الإسلامية فى طهران فى ذلك الوقت، وبعد الصعود للطائرة استدعانى الوزير ماهر للجلوس بجانبه فى الطائرة، وعندها مباشرة بادرنى بالسؤال ما رأيك فى سياسات إيران وهل تطمئن لها كدولة إسلامية، فبادرته فى الحال أنا لا أؤيد سياسات إيران أو اتفق مع توجهاتها فى الإقليم، باستثناء عداوتها وحربها مع إسرائيل وإن كنت أرى أنها تتاجر بتلك المواقف لصالح أجندتها ضد العالم العربي.. عندها قاطعنى بأن هناك تغييرا مرتقبا فى العلاقات المصرية - الإيرانية بعد هذه الزيارة، وانه ربما إذا حدث تفاهم فى لقاءاته مع الرئيس الإيرانى آنذاك محمد خاتمى ووزير خارجيته كمال خرازى، ربما بعد العودة للقاهرة قد يصدر بيان مشترك، بإعلان عودة العلاقات، مطالبا شخصى بالتغطية بإعداد سلسلة تقارير جيدة تمهد لعودة تلك العلاقات، لكنى قاطعته بالقول انه حسب معلوماتى ومن مصادرى بالخارجية ان هناك معارضة لعودة العلاقات، الا بعد إنجاز طهران لائحة شروط مصرية أولا، وعاد ليبلغنى بأن هناك اتفاقا على تسوية تلك القضايا فى المستقبل. وبعد حضور القمة والعودة للقاهرة، وبعد عدة أيام التقيت الوزير وسألته عن موعد عودة العلاقات مع إيران وصدور البيان الثنائى المشترك، فطلب ان أنسى هذا الموضوع حاليا، فذكرته باعتراضات مؤسسات الدولة ونحن على الطائرة، فأبلغى بالحقيقة دون ذكرها صحفيا، بأن الرئيس مبارك وافق على التطبيع السياحى أولا بين مواطنى البلدين بأعداد منضبطة، وبعد فترة يتخذ قرار عودة العلاقات، ففوجئ بأن التقارير التى تصل إليه تؤكد ان هناك تدفقا من الإيرانيين لزيارة مصر والأماكن المقدسة لآل البيت وهى قليلة فى القاهرة والمحافظات، ناهيك عن التحريض لعلاقات مصر مع بعض الدول فى الإقليم فعاد مبارك وطلب من الوزير ماهر أن ينسى موضوع عودة العلاقات مع طهران.
وعندما تولى أحمد أبو الغيط منصبه وزيرا للخارجية بعد ماهر فى يوليو من نفس العام كان موقفه حاسما، فالرجل قرأ أفكار مبارك من اللحظة الأولى، وربما يكون مبارك قد ابلغه بالواقعة السابقة، فعندما كنت أبادره بالسؤال فى اللقاءات الصحفية أو الثنائية وأطلب منه التعقيب على تصريحات مسئولين إيرانيين بطلب عودة العلاقات مع مصر، كان أبو الغيط يرد: هذه المسألة غير مطروقة الآن، وان هناك شروطا ومطالب واستحقاقات مصرية، عندما يوفرونها ينظر فى الأمر برمته، وهذا ليس فقط بشأن علاقتنا الثنائية بل بشأن علاقات وخطط إيران ضد إخواننا فى المنطقة خاصة فى الخليج، فقطع عليهم أبو الغيط الطريق مبكرا. وعندما كنت أتحدث إليه منفردا كان يبلغنى بأن هناك عدم ارتياح لموقف الإيرانيين، ويدلل: حتى جدارية الإسلامبولى لم ينزلوها فى أكبر شارع بقلب طهران.
وعلى العكس كان هناك موقف لافت للدكتور نبيل العربى عندما تولى وزارة الخارجية، فى مارس عام 2011، حيث سارع بإعلان عودة العلاقات مع إيران، فرددت عليه فى مقال هنا فى الأهرام فى اليوم التالى، وقلت له ماذا ستفعل فى حياة خمسة ملايين مصرى يعيشون فى الخليج، حيث العلاقات متوترة فى ذلك الوقت بين إيران ودول الخليج، هؤلاء يعيلون اكثر من 20 مليونا من أهاليهم فى مصر على الأقل، فرد على بعدها مباشرة برسالة عبر احد مساعديه الكبار بالخارجية، اننا اجلنا الموضوع وتراجعنا فى الوقت الحالى نهائيا، فهل تغير إيران سياستها ومواقفها ضد العرب والمسلمين السنة إذا أرادت علاقات متكافئة مع مصر؟.
لمزيد من مقالات أشرف العشرى رابط دائم: