فى وقت شديد الحساسية والحسابات السياسية الضاغطة، بات الشرق الأوسط يغلى بقوة تحت مرجل الحرب الموسعة التى تلوح فى الأفق، فى ضوء نذر رد إيران ومحور المقاومة على انتهاكات إسرائيلية بحق طهران، كان آخرها فضيحة اغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسى لحركة حماس فى قلب طهران، حيث كان فى حماية الحرس الثورى، ناهيك عن المنازلة التى حدثت الأحد الماضى بين حزب الله وإسرائيل، حيث يبقى الجميع فى حالة الجهوزية والاستنفار، فى انتظار حصر ورصد الخسائر وعظم الكوارث التى ستلحق بالجميع فى الإقليم، حتى بات الكل دون استثناء محكومين بالأمل الذى يمكن أن تفجره مفاجآت مفاوضات الأمتار العشرة الأخيرة للهدنة، ووقف إطلاق النار التى احتضنتها القاهرة أمس الأول، وكرّست فيها مصر جهودا خارقة من أجل تفكيك الألغام التى يزرعها رئيس وزراء دولة الكيان نيتانياهو كل يوم على مدى عشرة شهور من عمر حرب الإبادة التى يدمن الجيش الإسرائيلى تكرار مشاهدها المأساوية الفاجعة فى تكرار نازى لا يمل.
فى ضوء ضبابية هذا المشهد وصيحات القلق والترقب لغالبية سكان دول الشرق الأوسط، خاصة الموجودين على خط تماس تدحرج كرات النار، ومنصات الصواريخ القاتلة العابرة للحدود، ووعيد يوم القيامة الذى يتوعد ويحكى عنه كل طرف للآخر، وساعات النهايات والزوال التى يتقن المرشد الإيرانى على خامنئى مفرداتها بتصدير الصدمة والرعب كل يوم فى قلوب الإسرائيليين، لكن كل ذلك لم يفت فى عضد الشعب المصرى، فرغم عظم كارثة الحروب، والتفلت العسكرى بين قوى كبرى فى الإقليم، فإن موجبات الثقة لدينا فى مصر قائمة والطمأنينة متوافرة، وسياجات الحماية اللامتناهية لكل الحدود الإستراتيجية الأربعة تغطى سماء الوطن بكل أبعاده، وتعاظم تلك الثقة مرده قوة الجيش المصرى، وأسطورة الجاهزية التى يتمتع بها، وتصنيفه العالمى لينام كل مصرى قرير العين.
وبالتالى تلك الثقة الراسخة لدينا، فى الأمن والاستقرار، مهما كانت الأنواء والرياح العاصفة فى الإقليم، كل ذلك مرد الفضل فيه لمن خطط وسعى لإعادة الهيكلة والجاهزية للجيش المصرى، وتوفير منصات التسلّح المتعددة، والتزود بأرفع وأحدث تقنيات التسليح ، وإعادة تشكيل منظومة قوات الجيش، وامتداداته وأذرعه الطولى، منذ كان الرئيس عبدالفتاح السيسى وزيرا للدفاع، حيث كان الحلم يراوده بجيش هو الأكبر فى الإقليم بالعدة والعتاد، لا يشق له غبار فى معارك الحماية والتحصين ، وسباق فى فرض معادلات العودة والتأثير والحضور ورسم الخرائط للأدوار السياسية والعسكرية فى الإقليم، لأجل هدف واحد وهو عودة التمايز للدور المصرى فى محطات الإقليم بقضها وقضيضها، وأعتقد أن الفكرة الحاكمة لصاحب هذا الامتياز بحتمية عودة القبضة المصرية العسكرية المتحفزة طوال الوقت فى إقليم مضطرب منفلت، كانت نتاج تفكير عميق ورؤية ثاقبة، وإيمان بحتمية تحقيق هذا الحلم بالتفوق العسكرى، لملاحقة التحولات الجيو استراتيجية التى تشهدها الساحة الدولية، التى كانت تقتضى بجانب اليقظة الدائمة، مقاربة عقلانية كيفا وكما بغية تعزيز القدرات الدفاعية والعملياتية واللوجستية لقواتنا المسلحة، فضلا عن امتلاك الإمكانات التقنية الحديثة فى مجالات حساسة، تشمل إدارة العمليات ونظم الدفاع والرصد، التى تستوجب إعداد وتأهيل العنصر البشرى المصرى لمواكبة التغيرات فى جميع المجالات.
لا مبالغة فى القول ان كل الذين تحدثوا ورفعوا الصوت عاليا، فى بداية التحديث وإعادة الهيكلة والتجهيزات والتكنولوجيات الحديثة للإعداد والتسليح الرفيع للغاية للجيش المصرى فى بداية عام 2013 وحتى الأمس القريب ، كانوا يرددون مع الآخرين، لماذا كل هذا التسليح؟ ولمن سيستخدم كل هذا؟. أعتقد أنهم اليوم وهو يتابعون تفاصيل دراما الحرب والتصعيد والمواجهة التى تتوالى فصولها فى الإقليم، هم نادمون بحق، ووجب عليهم الاعتذار لمن قرر واختار الذهاب الى أقصى مدى فى الإعداد والتجهيز والتحديث وإعادة الهيكلة الشاملة بكل أركانها وجوانبها ومحطاتها للجيش المصرى، وكذلك الاعتذار للشعب المصرى الذى تحمل عبء التحديات الاقتصادية، حتى صار لنا هذا الجيش وبتلك القوة والحضور فى مقدمة جيوش الإقليم، فتلك المعادلة الجديدة للجيش أسهمت فى إثراء المنظومة الدفاعية المصرية، وتعزيز رصيد القوات المسلحة كشريك موثوق به فى استتاب الأمن، وتوفير استحقاقات الأمن والاستقرار والطمأنينة الكاملة لكل المصريين، ولا نعطى وزنا للتهديدات الإسرائيلية التى كان يصدح بها جنرالات الوهم فى جيش الاحتلال، بأنهم القوة الأكبر فى الإقليم، وان أذرعهم تطال كل دول الشرق الأوسط، فكل ذلك تكسر على نصال قوة الردع والتفوق المصرى، وسباق الجاهزية المصرية بالتخطيط والإعداد والحضور العسكرى القوى ، لتنفيذ المهام الأساسية والموجبات الضرورية والملحة للأمن القومى المصرى أولا والعربى أيضا بانضباط واحترافية لامتناهية.
صفوة القول لولا تعاظم القوة العسكرية والإرادة السياسية المصرية، ما وافقت إسرائيل ونيتانياهو على مفاوضات الهدنة الأخيرة بالقاهرة، وفرض الشروط المصرية وإجبار الأخير على التخلى عن أوهامه بالاحتلال والبقاء فى معبر رفح وممر فيلادلفيا، والتخلى عن اللعب بالنار فى مقتضيات الأمن القومى المصرى، فضلا عن ان هذه القوة المصرية، هى التى جعلت كل المصريين ينعمون بالاستقرار والأمن وإبعاد شبح الحرب وويلاتها، وتجاوز الخوف من مصير أمواج النازحين عن شعبنا، كما حدث لبعض دول الإقليم، والفضل كل الفضل للقبضة المصرية المتحفزة.
لمزيد من مقالات أشرف العشرى رابط دائم: