رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

احتمالات انزلاق الجبهة الإسرائيلية اللبنانية

يذهب غالبية المراقبين والمحللين إلى أن التصعيد العسكرى الأخير بين إسرائيل وحزب الله اللبنانى، سيظل محكوما بأسقف قواعد الاشتباك بين الطرفين، حتى وإن مضى أبعد قليلا مما هو متعارف عليه ومستقر منذ سنوات. ورغما عن وصف الحزب فى بياناته أن رده على اغتيال سامى عبدالله «أبوطالب»، يعد أوسع انخراط عملياتى يقوم به الحزب ضد إسرائيل منذ تاريخ 7 أكتوبر 2023، وفى المقابل اعتبرت إسرائيل بدورها يومى 12 و13 من يونيو الحالى هما الأصعب فى مواجهات الجبهة الشمالية. الغالبية تستند إلى «عدم الرغبة»؛ وهو المصطلح الذى استخدم على نطاق واسع طوال الأيام الماضية، تعليقا على ما يجرى وتطمينا إلى أن الرغبة ليست حاضرة، لدى كل من إسرائيل وحزب الله وإيران والولايات المتحدة ولبنان الدولة، كى يدفع أى منهم أو بعضهم بكرة الثلج من مرتفعات الجليل الأعلى لتنزلق إلى الحرب الشاملة.

هناك بالتأكيد وجاهة فى هذا التقدير؛ على الأقل استنادا إلى الحسابات الإستراتيجية التى تكشف جانب كبير منها خلال فترة الثمانية أشهر عمر الحرب على غزة، لدى الطرفين الرئيسيين إسرائيل وإيران فيما يخص المدى الذى يمكن أن تصل إليه، «مناوشات» خطوط التماس على الجبهة الشمالية لإسرائيل وجنوب لبنان. حتى عندما حبست المنطقة أنفاسها انتظارا للرد الإيرانى على عملية استهداف قنصليتها، وما استتبعه من رد إسرائيلى على الرد، كلاهما جاء ليؤكد حرص الطرفين على التمسك بتلك الحسابات والدقة فى استخدام «كوابح» عدم الانزلاق. بل وهناك عديد من فصول الحرب على غزة، كان هناك احتياج شديد لتفعيل «وحدة الساحات» الذى أطلق كمصطلح تعبيرا عن جاهزية الأذرع الإيرانية للانخراط، وتقديم الإسناد العسكرى لقوى المقاومة فى غزة بنشاط عملياتى فعال، لكنه غاب أو بالأدق خضع لحسابات تكشف أنها أكثر تعقيدا، مما يبدو على سطح الدعم الإعلامى المفتوح الذى لا يكلف كثيرا هذا المحور.

بلدة «جويا» الواقعة فى الجنوب اللبناني؛ هى مسرح العمليات التى شهد أحد منازلها تنفيذ عملية الاغتيال للقيادى العسكرى بالحزب المكنى «أبو طالب»، واستخدم الجيش الإسرائيلى فيها الطائرة الأمريكية (F 35) المعروفة بالشبح، مزودة بـ«6 صواريخ» GBU الدقيقة ذات التقنية الفائقة حيث تمكنت من إصابة الهدف، دون أن تستطيع الرادارات والدفاعات الجوية للحزب من رصدها اعتمادا على قدرات الطائرة العالية فى التخفى، فضلا عن امتلاكها قدرات التحليق لمدى يصل إلى 2200 كم دون الحاجة للتزود بالوقود، وهى ميزة رئيسية مكنتها من التفوق على منظومات الدفاع الجوى لحزب الله. بالمناسبة المعلومات الاستخباراتية تؤكد أن إيران قد زودت الحزب فى الجنوب اللبنانى بالجيل الأحدث من تلك المنظومات، وأنها منتشرة على نطاق واسع بالجنوب اللبنانى، خاصة فى المناطق الرئيسية والقيادية للحزب، واستخدم البعض منها فى اصطياد عشرات المسيرات الإسرائيلية التى أغارت خلال الأشهر الماضية على بعض الأهداف التابعة للحزب. وفى حين شهدت تلك المساجلات تفوقا لصالح حزب الله، جاءت المواجهة الأخيرة لصالح إسرائيل بعد تمكن الطائرة من الوصول للهدف وإصابته، ومن ثم الخروج سالمة.

من المرات النادرة منذ بدء العمليات العسكرية فى الجنوب اللبنانى؛ الذى ينعى حزب الله أحد عناصره بـ«القائد» حيث يبلغ «أبوطالب» 55 عاما، ويشغل منصب «قائد وحدة» داخل صفوف وحدات الحزب العسكرية، وسقط معه فى نفس العملية ثلاثة آخرون أكد الجانب اللبنانى أن لديهم هم الآخرون مسئوليات ميدانية. وكان انزعاج حزب الله الكبير، فضلا عن سقوط هذه المجموعة العسكرية الميدانية، ما يعكس الوصول إليهم فى المقر السرى الذى شهد عملية الاستهداف، هو التفوق الاستخباراتى الإسرائيلى الذى مكنها من الوصول إلى هذه الشريحة القيادية، لهذا جاء رد الحزب عصبيا ويدل على شعور قيادات الحزب بحجم الإخفاق الأمنى والعسكرى، رغم ارتفاع حصيلة ضحايا الجنوب اللبنانى من المدنيين الموالين والعناصر العسكرية للحزب يوميا جراء العمليات الإسرائيلية، بحيث وصل الإحصاء إلى تجاوزهم لرقم (350 قتيلا). وكانت هناك إشارة لافتة إلى أن بلدة «جويا» ومحيطها، ظلت طوال فترة الحرب على غزة، بعيدة تماما عن الاستهداف الإسرائيلى، فيما يبدو أنها كانت تستخدم بشكل سرى لإدارة الجهد العسكرى الموجه لإسرائيل من مناطق أخرى، وهذا يؤكد مرة أخرى استشعار الجهاز الاستخباراتى للحزب بأن ثمة اختراقا أمنيا، لم تكن منظومة الحزب على دراية به تمكنت إسرائيل من تفعيله واستخدامه ليصل بها إلى هذا الموقع المهم.

حزب الله اضطر إلى صياغة هجومه بنمط مركب؛ استخدم فيه الصواريخ الموجهة متوسطة المدى مع المسيرات الانتحارية المحملة بالمتفجرات، كى يصل إلى أكبر عدد من بنك الأهداف الإسرائيلية (15 موقعا) التى شملت المستوطنات الإسرائيلية ومقار تجمع وحدات الجيش، فى مرابض الزاعورة، وثكنات كيلع ويوآف، و«قاعدة كاتسافيا»، فضلا عن مصنع للأسلحة فى بلدة «سعسع» و«قاعدة داوود» مقر قيادة المنطقة الشمالية، وقيادة وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية فى «قاعدة ميشار» العاملة بالمحور الشمالى بكامله. وبدا أن حزب الله فى الآونة الأخيرة يركز على استخدام القنابل الحارقة، التى تتسبب فى اشتعال النيران على نطاق واسع بالمناطق الزراعية الشمالية بإسرائيل، حيث تتسبب تلك المشاهد والصور التى يجرى بثها على شاشات الإعلام الإسرائيلى بكثافة، إلقاء مزيد من الإحباط والرعب فى نفوس سكان المستوطنات الشمالية.

«بينى جانتس» الوزير السابق الذى شغل عضوية مجلس الحرب المصغر، قبل تقديم استقالته مؤخرا أعرب عن قلق كبير من افتقاد إسرائيل إدارة الحرب بنمط خططى واضح، وفعال فى الوصول لأهدافها، يعتزم التقدم للكنيست بطلب لحجب الثقة عن حكومة نيتانياهو تحديدا فيما يخص «الجبهة الشمالية»، حتى يقدم رئيس الوزراء رؤيته لكيفية حصار التداعى الحاد فى مكونات مشهدها الخاص، بعيدا عما يجرى فى قطاع غزة.


لمزيد من مقالات خالد عكاشة

رابط دائم: