رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اجتهادات
أنوارُ بقيت ظُلماتُها

لا يجتمع النور والظُلمة عادةً. ولكنهما اجتمعا فى عصر الأنوار الأوروبى. اختلطت أفكارُ جديدة سعى أصحابها إلى إنارة طريق أظلمه جبروت الكهنوت ومواقفُ تجلت فيها ظلماتُ شتى.

فأما الأفكار التى نُسب إليها ما أُطلق عليه عصر التنوير فهى معروفةُ وشائعة. كان بريقها ساحرًا حتى بُدئ فى مراجعتها منذ منتصف القرن الماضى. وأما المواقف الظلامية فالمعرفة العامة بها أقل، إذ حجبها بريق أفكار التنوير وكاد يُخفيها. مواقفُ تبناها تنويريون اجتمع فيهم النور والظُلمة عندما برروا استعباد بشرٍ واسترقاقهم وإبادة الشعوب الأصلية فيما عُرف وقتها بالعالم الجديد.

لم تكن تلك المواقف هامشًا صغيرًا فى تاريخ عصر التنوير. وإذا قيل إن عدد من دافعوا عن العبودية وتجارة الرقيق لم يكن كبيرًا، فهذا ليس إلا وجهًا واحدًا لظُلمة ذلك العصر. أما وجهها الثانى فهو صمت الباقين من مفكرى التنوير عن الجرائم الرهيبة التى ارتُكبت فى حق المستعبدين الذين نُقلوا من بعض مناطق إفريقيا إلى أوروبا وأمريكا.

تفاوتت مواقف المدافعين عن الاستعباد. بلغ بعضهم أعلى ذروةٍ مثل جون لوك الذى سَبقهم إلى زعم أن السود والهنود يفتقرون إلى أى استعداد للتطور وإقامة مجتمعات منتجة. ورأى أن استعبادهم أو سحقهم جزءُ من رسالة المدنية وعبء الرجل الأبيض. ولم يكن موقف لوك ذاك نظريًا خالصًا، وهو الذى امتلك أسهمًا فى إحدى كبرى شركات تجارة العبيد فى القرن 17 وهى «الشركة الإفريقية الملكية». وحتى من رفضوا العبودية التمسوا أعذارًا للاستعباد مثل ادعاء أن الأحوال الجوية الحارة خارج أوروبا تدفع إلى الكسل وجمود الملكات العقلية مثل شارل دى مونتسكيو، أو أباحوها مؤقتًا بدعوى الضرورة التى تفرض «تمدين القبائل المتوحشة» مثل جون ستيوارت ميل.

وعندما نتأمل حال أوروبا اليوم، ومشاركة بعض حكوماتها أو مساندتها العدوان الأكثر همجية فى العصر الحديث، يبدو لنا أن ما بقى فيها إنما هو امتدادُ لتلك المواقف الظلامية بعد أن انحسر التنوير وأفكاره. ضعفت الأنوار وبقيت الظُلمات التى رافقتها: «ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور».


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: