إنه من المؤسف حقا ما حدث لليهود من اضطهاد فى بعض البلاد الأوروبية فى النصف الأول من القرن العشرين ومعاناتهم منذ قدوم النازيين, وما ترتب على ذلك من استغلال من قبل مجموعات سياسية للدفع بأفكار الصهيونية لجعل برامجها بديلا مقبولا لدى العالم كله ودعمها. والأمر الذى يدعو للأسف أن جل اهتمامهم تركز على فلسطين رغم أن العرب كانوا عبر تاريخهم كله من أكثر الأمم تسامحا وكرما مع اليهود ومعاناتهم والعيش معهم بسلام. لسوء الحظ أصبح عرب فلسطين الأبرياء عرضة وضحايا للبروباجندا والضغط والحرمان وكلها أمور تفوق طاقاتهم. اسمح لى سيادة الرئيس أن أطرح على سيادتكم سؤالا موضوعيا: لماذا تفرض عملية تهجير لشعب غريب بالقوة لمدة خمس وعشرين سنة على دولة صغيرة يقطنها مليون نسمة يعيشون فى منطقة محدودة صغيرة؟. لقد ترتب على ذلك صعوبات بالغة لدرجة أن العرب أصبحوا غير قادرين على استيعاب المزيد من هؤلاء المهاجرين، وأنهم أصبحوا مصرين على عدم قبول المزيد منهم, وهو المبدأ الذى وافق عليه الإنجليز فى وثائقهم الحكومية. وأخطر من ذلك كله هو أن المهاجرين الأجانب الذين استقر بهم الحال فى فلسطين أصبحوا يطالبون بإحضار أعداد كبيرة من ذويهم، كما أنهم أصبحوا يستولون على معظم الأراضى الفلسطينية وأصبحوا يتولون الحكم. لقد أصبح الواقع المفروض أمرا واقعا على العرب الفلسطينيين، وأن يقبلوا العيش فى بلادهم أقلية غرباء أو يضطروا إلى الهجرة من بلادهم، وهو الأمر الذى خلق بداخلهم قوة دافعة للمقاومة مهما تكن التكاليف.
هذا نص الرسالة المهمة التى أرسلها محمود فهمى النقراشى باشا رئيس الوزراء المصرى الى الرئيس الأمريكى هارى ترومان بتاريخ 30 أبريل 1945.الرسالة تعكس القدرات الكبيرة المشهود بها لوزارة الخارجية المصرية وللدبلوماسية المصرية عبر العصور. لا يوجد نص للرسالة باللغة العربية رغم أهميتها القصوى كوثيقة تاريخية توضح الاهتمام المصرى والدور المصرى الحقيقى المستدام فى مناصرة القضية الفلسطينية. الرسالة موجودة باللغة الإنجليزية فى كتاب يوميات فلسطين, وقمت بترجمتها بقصد إتاحتها للقارئ العربى. لقد حان الوقت لجمع هذا التراث المهم وجمعه وتوثيقه وعدم ترك صغيرة أو كبيرة منه. فى 4 يونيو 1945, رد الرئيس الأمريكى هارى ترومان على رسالة النقراشى باشا, وكتب له: أود أن أؤكد لكم وأطمئنكم أن رسالتكم وما ورد فيها حظيت باهتمامنا وكامل رعايتنا وانتباهنا. كما أود أن أؤكد لكم وأطمئنكم أيضا أننا نولى المصالح العربية كامل العناية للتوصل الى حل عادل للمسألة الفلسطينية, وأود تجديد طمأنتكم أنه سبق للحكومة أن توصلت الى ضرورة وجود حل عادل للقضية الفلسطينية.وأود أن أجدد التأكيدات التى مفادها أن الإدارة الأمريكية لن تأخذ قرارا يخص الموقف الأساسى لفلسطين دون الرجوع والتشاورات الكاملة مع كل من العرب واليهود.
غربت الشمس عن بريطانيا العظمى بعد أن مزقت الأمة العربية شر ممزق وجعلت أهلها شيعا وقبائل بالمعنى الحرفى للكلمة. ماكان يخطر على بال أحد أن لحظة الأفول حتمية وسريعة. حلت هذه اللحظة بنهاية الحرب العالمية الثانية، وتسلمت أمريكا المنتصرة الكبرى بالحرب العالمية الثانية الراية والإرث الغربى لتفعل بالعرب ربما أكثر مما فعلت بريطانيا. المتأمل لنتائج الحرب العالمية الثانية يدرك أن العرب كانوا هم الخاسر الأكبر, والصهيونية هى الفائز الأكبر بها.كان الرئيس الأمريكى ترومان أول المعترفين بإسرائيل كدولة فى 14 مايو 1948, بعد 11 دقيقة من إعلانها. كان مستشاروه منقسمين حول ضرورة الاعتراف بالدولة اليهودية الوليدة, منهم من نصحه بأن الاعتراف بالدولة الوليدة هو خير خدمة للهولوكوست الذى تعرض له اليهود من النازيين وقتل الكثيرين منهم, وبالتالى فإن الاعتراف سيدعم المصالح الأمريكية. أما الطرف الآخر المعارض للاعتراف بالدولة الوليدة فكان مبنيا على أن ذلك سيسبب الكثير من القلاقل فى منطقة الشرق الأوسط.
يغطى الجزء الثانى من كتاب يوميات فلسطين الفترة من 1945- 1948، وهى ثلاث سنوات حافلة فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، وفى تاريخ إسرائيل على وجه الخصوص, بدأت بنهاية الحرب العالمية الثانية، وانتهت بإعلان الدولة اليهودية. عبر هذه السنين الثلاث العجاف وضع البيت الأبيض كل ثقله لتحقيق المطالب الصهيونية وأحلامها, كما صوتت الأمم المتحدة على تقسيم فلسطين. يغطى هذا الجزء موضوعات تشمل بداية الدور الأمريكى وتدخل الامم المتحدة، وهى خمسة موضوعات تشمل آخر المجهودات البريطانية فى المنطقة وبداية التدخل الأمريكى وتولى الأمم المتحدة الأمر، ثم تقسيم فلسطين، ثم الصراع العربى الإسرائيلى، ثم ميلاد الدولة اليهودية.كان المناخ العالمى مثاليا بالنسبة للصهيونية العالمية ولمستقبل إسرائيل. فى أمريكا كان هناك الرئيس ترومان, وفى بريطانيا كان تشرشل الذى يفضل تقسيم فلسطين وكان أكثر ميلا وتعاطفا للجانب الصهيونى على حد تعبير كتاب يوميات فلسطين. تقدمت الوكالة اليهودية بسلسلة من المطالب الى الحكومة البريطانية بتاريخ 22 مايو 1945, منها ضرورة إصدار قرار فورى ينص على عدم تقسيم فلسطين، وأن تكون دولة يهودية، وأن تتولى الوكالة اليهودية التحكم فى عملية الهجرة الى فلسطين، كما يجب تخصيص سلفة دولية لتمويل هجرة المليون الأولى لفلسطين, كما يجب إجبار ألمانيا على دفع تعويضات تمنح للشعب اليهودى تستخدم لبناء فلسطين، وأن يكون القسط الأول منها من جميع الممتلكات الألمانية الموجودة فى فلسطين، وأن تستخدم قيمتها المادية فى توطين اليهود الأوروبيين, كما يجب السماح باستخدام التسهيلات الدولية لخروج ودخول كل اليهود الراغبين فى الهجرة الى إسرائيل. كان هناك ردود فعل واحتجاجات عربية لما تقدمت به الوكالة اليهودية من مطالب.
لمزيد من مقالات د. مصطفى جودة رابط دائم: